وعدم القبول بأمره، وهذا أول كفر وقع في الوجود، وهو كفر ابليس، إذ ردّ أمر الله تعالى، فهو كفر قلبي وفي أعماله، لا في أقواله، وهو ردّ على من يقصر الكفر على الإعتقاد، فهذا كفر لا وجود للإعتقاد فيه، إنما هو متعلق بالإرادة وأعمال القلوب.
أما لماذا يعمل المنافقون هذه الأعمال مع عدم حبها، فهذا يقع منهم لدفعهم القتل عن أنفسهم، فإنهم لو تركوا الصلاة والزكاة لقوتلوا لقوله تعالى ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم))، فتركهم بلا قتل أو قتال معلق بالصلاة والزكاة، وهذا أمر يفسر مقصد دولة الإسلام، وأنها دولة لإقامة حق الله تعالى قبل كل أمر، فالصلاة حق الله في البدن، والزكاة حق الله في المال، ولذلك كان من فقه الصديق أن قاتل مانعي الزكاة من المرتدين وغيرهم، فالمنافقون يتقون القتل بهذه الأعمال، لا طاعة لله تعالى، ولا حباً في الأجر والإحتساب.
الكسل هنا ليس هو ما يصيب النفس من عوارض التعب، والذي يصيب الإنسان بعد المشقة، أو كمن يسترخي بعد النوم فلا ينشط إلا بمجاهدة، وإنما هذا كسل دافعه ومنشؤه كراهية ذات العمل، أي كراهية الصلاة، والفرق بينهما أن المؤمن يحب الصلاة، ويحب أهلها، كما أنه يحب أن يؤديها ويكثر منها، لكن نفسه تحب الراحة، وتدعوه للخمول، ولقوة رغبته بالدار الآخرة وإرضاء الله يجاهد نفسه ويقوم لصلاته، والقيام للصلاة الواجبة مجاهدة واجبة، وأما القيام للصلاة المستحبة فالمجاهدة لذلك مستحبة، وهو يفرح إن فعلها، ويشكر الله على إعانته بأن أداها، ويدعو الله أن يجعله وأهله من أهلها كما قال الخليل ابراهيم عليه السلام ((رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء)) ويدعو الناس لأدائها ((الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة)) ويحض أهله عليها كما وصف الله اسماعيل ((وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة))، وأما المنافق فلو خلا لوحده لما أداها، ولو تمكن لما أمر الناس بها، وإن فاتته لا يحزن لتركها، فهو يكرهها ويكره الأمر بها، ولذلك فهو يقوم لها على كسل المبغض لها، وأما المؤمن فإن كسل فهو يقوم وهو كاره لكسله، محب لها.
ومثل ذلك يقال عن الكراهة في الإنفاق، سواء بسواء.
وقد اختلف أهل العلم في باب التفاضل بين من أتى بالفعل وهو محب له، وراغبة فيه نفسه، ولا يجاهد نفسه في إتيانه، وبين من أتاه على وجه المجاهدة له، أيهما أفضل؟! وقد تكلم العلماء في هذه المسألة، والذي عندي أن هذه مسألة تخيلية، ولا حقيقة لها عند العابدين، فإن المؤمن لا يتصور كراهته للفعل الإيماني، لكن الحديث عن الإرادة، والإرادة في الإنسان لا تكون على حال واحد، فقد تنشط للفعل، ولا يقال لنشاطها له إنّ في هذا النشاط خلو عن المجاهدة، فالمحب كذلك يجهد فيه كالكاره له، وقد تكسل، ولا يقال لكسلها إنها تكره الفعل، وحين تقوم فيه فإنها تجهد فيه كما تجهد فيه حين نشاطها، وإن صح وجود شخصين، شخص لا يجهد إرادته كثيراً للفعل، وآخر يشق عليه هذا ويجهد لفعله كثيراً، فإن هذا لا يكون على الدوام أولاً، ثم إن وصول المرء لمقام يثبت فيه إدامته للفعل لا يكون إلا بعد مجاهدة لإرادته في البدايات على معنى يقل حيناً بعد ذلك، مع ما في البدايات من معاني خاصة لا يحسها الراسخون والمقيمون، كما قال أبو بكر الصديق لما جاء أهل اليمن، فقرأ عليهم القرآن فبكوا، فقال الصديق:- "هكذا كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم