تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبيل الله)، وقوله تعالى ((أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم)) هو من أجل مزيد تبكيت لهم، ومزيد عذاب عليهم، هو مراد القرآن في ذلك، ولذلك كان الخطاب لهم، مع ما في ذلك من تربية إيمانية للمسلمين أن موازين الآخرة هي موازين الحب الإلهي كما قال ((إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)).

ومثل هذا الكاتب وغيره الجهلة لا يعلمون خطورة الكذب على الله تعالى، ولم يعلموا أن الله جعل القول عليه كذباً أشد من الشرك والكفر لقوله تعالى ((إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)). قال ابن القيم:- إن الله بدأ بالأدنى فالأعلى، فجعل أعلى ما حرّم هو القول عليه سبحانه وتعالى كذباً، وهذا حق، وواقع الأمر يثبته فإن الشرك فرع من فروع القول على الله بغير علم، وتأصيل له، وإدامة له في الأرض، وما استقرار شرك الأمم إلاّ بعد تحريف أديانها التي أنزلها الله تعالى نقية، وقائل هذا القول أراد نفي الحكم بما أنزل الله تعالى أولاً، ثم أراد أن يبين تخلف دولة الرسول صلى الله عليه وسلم عن مفهوم الدولة المعاصرة، وعدم قدرة المسلمين إملاء هذه الدولة من خلال النموذج النبوي الهادي، ولا النموذج الراشدي بعده، وهذا هو الشرك وأكثر منه، لأنه دعوة للحكم بغير ما أنزل الله، ودعوة لأخذ مناهج الكفار في بلاد المسلمين، وتأصيل ذلك من خلال القرآن الكريم، وهذا الرجل أرسل كتابه هذا لي هدية وقال لحامله: (أعلم أن فلان لا يرضى عن كتابي هذا)، والحق أن الله لا يرضى عنه، وهو الأهم لو كان يعلم.

﴿إنكم كنتم قوماً فاسقين﴾

هذا دليل أن الكفر يسمى فسقاً، وهو كذلك في اللغة، لأن الفسق معناه تجاوز الحد، والكفر كذلك، لكن الفسق كالكفر درجات، منه الأكبر وهو الكفر الأكبر، ومنه الأصغر، وهو الفسق الأصغر، وقد سمى الله تعالى الظلم شركاً فقال:-" إن الشرك لظلم عظيم"، وقال تعالى ((والكافرون هم الظالمون))، كما سمى المنافقين فاسقين فقال كما سيأتي ((إن المنافقين هم الفاسقون)).

وهذه المصطلحات القرآنية واجبة التعريف لمن أراد فقه الكتاب والسنة، لأن الجهل بمعناها يؤدي إلى الجهل بالكتاب والسنة، وكذلك الإنحراف عن مراد الله ورسوله فيها مصيره الضلال، ومن المعلوم أن أول فتنة حدثت في الأمة كان خطأ فريق منها في مفهوم الإيمان، فضلّت فيه الخوارج ثم المعتزلة ثم المرجئة، "وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

وقد فسّر الله الفسق في هذه الآية بالآية التي تليها، فإن الله علّق عدم قبول أموالهم عنده بقوله ((إنكم كنتم قوماً فاسقين)) ثم فصّل هذا المعنى بقوله ((وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون))

فهذه ثلاثة أعمال منعت قبول نفقاتهم التي قدّموها من أجل دفع النفير عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أولاً لكفرهم بالله وكفرهم برسوله صلى الله عليه وسلم، وثانيهما: ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى:- وثالثهما:- ولا ينفقون إلا وهم كارهون، ومما هو بين في آخر سببين هما أداؤهما، لكنه أداء ظاهر خال من معنى القبول القلبي، فهم يأتون الصلاة لكن بدون إرادة المحب لها الراضي بحكمها، وهم ينفقون كذلك لكن مع كره لهذا الإنفاق، وعلة ذلك هو الكفر بالله تعالى،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٧٩