تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحضارات أن بناتها الأوائل، وآباءها المؤسسين هم أبعد الناس عن التجارة والمال والعمل فيهما، فإذا أراد الله دمار أمة جعل قادتها تجاراً، حينها سيسري الفساد في هذه الأمة.

وقد يعترض معترض بأن الصحابة كان فيهم التجار، وهم أئمة الهدى والدين، وأقول لهذا المعترض إنك لم تفهم الكلام، فإنه لا أحد يحرم ما أحل الله، والتجارة من خير الكسب الحلال، وقد قرنها الله بالجهاد فقال ((علم أن سيكون منكم مرضى وأخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله)). فهذا معلوم بالدين من الضرورة، لكن الحديث عن سنن الناس في واقعهم، وأغلبهم، وإلا فإن الكثير من أصحاب الأموال والتجارات هم أهل دين وزهد وجهاد، ثمّ إن الحديث يدور حول التحذير من سنن التجار الذين يقيسون المنفعة بما يحصل لهم من ربح، وهم أشد الناس خوفاً من أن تذهب تجاراتهم وأموالهم، وكذلك الحديث عن قادة الأمم الذين يخوضون بها من أجل مبادئها وخاصة أهل الإسلام الذين لا نظر لهم في جهادهم إلا إعلاء كلمة الله تعالى وتحقيق الدار الآخرة، خاصة في زمن الإستضعاف والبناء من القواعد الأولى، والتي يكون العطاء فيها أكثر من المردود بكثير، بل لا يكون فيها من المردود شيء، كما هو شأن الإسلام في غربته الأولى، حين كان الصحابة يبذلون ويعطون، ويحاصرون، ويهاجرون مع ترك أموالهم كما حصل لصهيب رضي الله عنه الذي نزل فيه قوله تعالى: ((ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد)).

عقلية التجار ونفسيتهم إن لم يهتدوا بنور الله، وحب الدار الآخرة، والإخلاص في طلبها، ستكون عائقاً تكبل إرادة القادة الذين يخوضون بأمتهم الغمرات لتحقيق دينها وقيمها ومبادئها، وإن سمحوا بالجهاد فإنما يسمحون به إن كان يحقق لتجارتهم الكسب والزيادة والنماء، أما إن جرّ عليهم الخسارة والإنكماش فلن يرضوا به، ونحن نرى اليوم أن باب الأموال والإقتصاد هو المنفذ الذي تلج منه المشاريع السياسية والإجتماعية والعسكرية، والدول الطاغوتية تلوح دائماً لأهل الإسلام بنعيم الدنيا، وتغير الأموال المادية إن دخلوا في دينهم، واتبعوا أوامرهم، وأطاعوهم في ما يحبونه، ولضعف الإيمان فإنهم يستجيبون لهم، ثم إن تحالف السياسة مع المال في الدول الطاغوتية وهو شبيه بتحالف فرعون مع قارون يجعل أفواه الناس مربوطة بإضلال الشعوب وسوقها إلى مراد طواغيتها، من أجل ذلك كان من دعاء موسى عليه السلام أن قال: ((ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم))،وهذا من فقه الأنبياء وإدراكهم أن الأموال في يد المفسدين سبيل لاضلال البشر، وقد تقدم في غزوة بدر وبني النضير بيان أهمية الجهاد لضرب مصالح الطواغيت.

من جانب آخر فإن وجود المجاهدين في لحظات البناء الأولى يضر بمصالح التجار وأهل الأموال، وهذا شأن قدري لا انفكاك منه، وسيتخذ الطواغيت هذا التغير والتضييق لصرف الناس عن المجاهدين، وتنفيرهم منهم، وهذا لا ينبغي أن يؤثر في نفسية المجاهدين، لأنه قد تقدم أن الجموع التي تقف في مدرجات المشاهدين هي أرقام سهلة الانحياز والتحول، فحالها حال الارض الميتة في الحروب، أي إن كل طرف قادر في ظرف معين أن يحقق فيها نصراً، وأن يأخذها إلى صفوفه، لكن تصبح القضية أعقد وأشق حين تساق هذه الجموع بدافع المال لقتال المجاهدين، وهي وسيلة متبعة من الشيطان وجنده، فحينئذ على المجاهدين الإستعانة بالله، والثقة به، والتوكل عليه، لأن توسيع دائرة الإنفاق من قبل

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٧٧