تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوماً فاسقين، وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون، فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾

هذا استعلاء إيماني آخر على المنافقين المستورين، وأسيادهم الكافرين المكشوفين، فإنهم في الأولى يفرحون بمصائب المؤمنين فردّ الله فرحتهم قرحاً وألماً، وأقام الهدى في قلوب المؤمنين من أجل ردّ هذه السهام من ضحكاتهم وتوليهم وفرحهم، وهنا يأتي استعلاء المؤمن على مال المنافق وسيده، لأن المال سبب للعلو، فاليد حين تعطي يكون لها المنة على اليد الآخذة، وقد يكون أصحاب الأموال في داخل المجتمع المسلم من المنافقين حيناً، لأن هؤلاء هم من يخاف فساد حاله بالجهاد ومعاداة الأبيض والأحمر من الخلق، وهم بهذا المال يستعلون على المؤمنين، وحين يدفعونه لهم يطلبون مقابله ذلة من المؤمنين لهم، ثم هم يتخذونه وسيلة لدفع الجهاد عنهم كما ورد في أسباب هذه الآية، فإن طلب منهم النفير اتقوه بالمال، فيقولون خذوا المال فجاهدوا به، وأنتم الفقراء تحتاجون له، ودعونا قاعدين.

بهذين الأمرين والوسيلتين يتخذ المنافقون المال للعزة على المؤمنين، فردّ الله كيدهم وعزتهم بأن رفع الله عن أحوالهم كرامة القبول والرضا، ولم يجعل مالهم أبداً وسيلة لرد وجوب النفير الذي تعين عليهم حين استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاد أمر مالهم في نفوسهم ونفوس المؤمنين إلى هوان وخزي، لا إلى استعلاء وعزة، وبهذا يتجرد المنافقون من دثارهم الزائف، ويقع في الأرض ما وقع لابن آدم الأول من عدم قبول ماله كما قال تعالى:- ((واتل عليهم نبأ ابني آدم إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين))، وهذا مع ما فيه من تجريد لأسباب علو المنافقين بين المسلمين وفي صفوف الصالحين والمجاهدين، إلا أنه كذلك من أسباب زيادة الغيظ في قلوب المنافقين حتى يصيروا إلى الكفر الصريح إن لم يهتدوا، كما وقع مع ابن آدم الأول حين قتل أخاه حسداً من قبوله لصدقته التي قدمها، وحرمانه هو من قبول صدقته.

سنرى في هذه السورة قضية الإنفاق تأخذ شطراً كبيراً، وتعالج المال الذي يقبله الله والمال الذي لا يقبله، وسبيل إنفاق المال الواجب في الزكاة، وقيمة القليل إن كان وقوعه في يد الله لطهره وطهر أصحابه، وبيان حال انفاق المنافقين من الأعراب، واتخاذهم هذا الإنفاق وسيلة للصد عن سبيل الله تعالى، وما يقابل هؤلاء من الأعراب المؤمنين، لأن شأن المال في الجهاد عظيم، ولأن شأن الأغنياء التأثير في قضايا الأمة من خلال قوة ما يملكون، فالمؤمنون منهم رافد من روافد الحق والجهاد، ووجودهم عماد من عمده، وقاعدة من قواعده، والمنافقون والملأ مانع من موانع الجهاد، ونحن نرى أن سياسات الدول إنما تتأثر من خلال قوة هذه الفئة، فهي الحاكمة فعلاً، وهي القادرة أن تبسط رؤيتها على حركة الدول وقراراتها وجيوشها، ولكنها تتخفى وراء القادة الظاهرين، وإن كانوا في الحقيقة هم الأصل، والحقيقة الإجتماعية جبن هذه الفئة من الخلق، لما يخافون من ذهاب أموالهم وتجاراتهم، ولذلك يسيرون غيرهم جنوداً لمقاصدهم، لأن الناس كإبل المائة لا تجد فيها راحلة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنهم يشترون ويباعون من أصحاب هذه القوى العالمية، والأمم تنتكس حين يصبح التجار والأثرياء هم قادتها، لأن منطق التجار هو المال، وهو معيار الربح والخسارة، وقادة الأمم الحقيقيون يعنيهم قيم الأمة، وهذان منطقان متضادان، لا يتقدم أحدهما إلا ويصادم الآخر، ومن عجائب

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٧٦