حتى أحبه، فإذا أحببته كنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه))، فالمجاهدون هم أولياء الله حقاً، بأديهم يبطش الله بالكافرين، وبصنيعهم يحفظ الله الدين والعورات والخيرات، فهم قدر الله الذي يحبه في الأرض.
﴿أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾
كما أن المؤمنين بين حدين من قدر الله، هما حسنيان، النصر والعمل له والبقاء في سبيله، أو الشهادة واللحوق بالرفيق الأعلى، وهكذا أعداء الله تعالى بين حدين، لا ينفلتان منهما، ولا خروج عنهما، إما عذاب الله وإما العذاب بأيدي المؤمنين، وعذاب الله تعالى باب واسع فيه قوله تعالى ((ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى))،فإن عدو الله لا ينعم أبداً، ولا يعيش راحة أبداً، حتى لو رأيت الدنيا بين يديه، فإنما هو في عذاب الله، ولا يدرك هذا المعنى على حقيقته إلا من هداه الله تعالى من هذه البيئات، فعلم نعمة الإسلام، وراحة الإيمان، وأدرك أي حياة يعيشها الجاهليون المعرضون عن شرع الله تعالى وطاعته، وقد لا يدرك المؤمن الذي ولد مسلماً، وعاش في بيئة الإسلام هذه النعمة ولذلك قال الفاروق رضي الله عنه:-" تنتقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وأما قوله تعالى ((أو بأيدينا)) فهو دليل أن الجهاد في سبيل الله تعالى عذاب للكافرين بأيدي المؤمنين، ولذلك يكره الكافرون والمنافقون الجهاد، ولا يعادون أحداً في الأرض كما يعادون المجاهدين، لأنهم عذاب الله لهم، وهم في يومنا يصرخون أنهم لا يبغضون الإسلام ولا المسلمين، ولكنهم يبغضون المجاهدين، وكيف لا وهم عذاب الله لهم، وبهم يكشف الله ستر أكاذيبهم، ويقضي على أحلامهم وأوهامهم.
﴿فتربصوا إنا معكم متربصون﴾
كل من الفريقين يتربص بالآخر، فالمؤمنون ينتظرون وعد الله تعالى على كل حال هم فيه، والكافرون والمنافقون ينتظرون عذاب الله لهم إما بالجهاد بأيدي المؤمنين، وإما بأقداره سبحانه وتعالى.
إضاءة:
قد يقول قائل:- إن المؤمنين لهم أحوال أخرى غير النصر أو الشهادة، فهم يسجنون ويبتلون ويهاجرون، فأين هذا من قوله تعالى ((إحدى الحسنيين)). فالجواب:-
لقد جعل الله ثبات المؤمنين حين البلاء والقروح والمحن نصراً فقال:- ((فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين))، فالنصر ليس قاصراً على ما يفهمه البعض، هذا أولاً. وثانياً:- إن هذه الأعراض هي سبيل النصر، والشيء يسمّى باسم وسيلته، بل إن النصر لا يكون إلا بهذه السّبل التي جعلها الله قدراً لازماً كما قال تعالى ((وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يؤمنون)) ولذلك قال الشافعي: لا يمكّن المرء حتى يبتلى.