﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين﴾
افعلوا ما شئتم، فكله خير بالمؤمنين، ولا تظنن أن هذا خطاب لا يؤذي الكافرين، ولا يزيد قهرهم وألمهم، إنه والله يملأ قلوبهم غيظاً، وخاصة ما أكرم الله عباده من جعل الشهادة في سبيله باباً من أبواب عذاب الكفار وقتلهم والرحيل بهم إلى جهنم، ولذلك كان من فقه العلماء الربانيين أن أفتوا المسلم بأن ينغمس في صفوف الكفار من أجل أن يظهر لهم محبة الجنة والرغبة فيها، وهذا فقه لا يعرفه أصحاب الأهواء وقطاع الطريق إلى الله تعالى.
هذه الراحة القلبية التي يحسها المؤمنون بأن اتخذ منهم شهداء، وهذا الإقبال على الشهادة، وهذا التفسير الإيماني للمصائب التي تلم بالمؤمن تصيب الكافرين بالغيظ، والغضب، فيعبرون عن هذا بالإستهزاء حيناً، ويسير في هذا الإتجاه الزنادقة الذي يتسمون باسم الإسلام زوراً وبهتاناً، ويعمل هذا الإستهزاء عمله في قلوب الضعفاء حتى يصابوا بالخجل من أن يظهروا هذا الدين، وهذه المعاني، ليبدأ تفسيرهم للجهاد والشهادة على وجه مادي دنيوي يلائم قوانين الكافرين، ويتماهى مع كفرهم بالدار الآخرة، وهذا بسبب إلقاء هؤلاء الضعفاء آذانهم لما يقوله هؤلاء الكفرة وأتباعهم من الزنادقة.
﴿تربصون﴾
أليس عجيباً أن يكون من يتربص المنافقين وأسيادهم بالمؤمنين أن ينالوا النصر؟ إن تربصهم لموت المؤمنين شهادة في سبيل الله تعالى ظاهر المعنى، لكن كيف يتربصون بالمؤمنين الحسنى الدنيوية وهي النصر؟.
هذا قدر الله بالمؤمنين، يجريه في الأرض تحت أعين الكافرين والمنافقين، بل ويسوقهم هم بأفعالهم ليكونوا أداة نصر للمؤمنين، وإن عدم فقه الكافرين، وغلظة قلوبهم، وفساد عقولهم هي من أسلحة المؤمنين التي يصلون بها إلى أهدافهم، لكن لو سألت لِمَ لَمْ نر ذلك في أيامنا؟ فالجواب: لأن المقابل من المسلمين قد ضعف، وترك الميدان طويلاً إلا من فئات قليلة، وبالتالي فإن كثيراً من الأخطاء الكبرى التي يوبق الكفار فيها انفسهم لا تجد من المسلمين من ينفذ منها إلى إهلاك الكافرين والنصر عليهم، والأمثلة في الزمن الحاضر كثيرة جداً، ولو جمعت لكانت في مجلد كبير، لكن كما قال موشى دايان وقد ذكر بعض الأسرار العسكرية في جريدة سيارة، فعوتب أن أعداءك سيطلعون عليها فتكون ضدك، فقال:" العرب لا يقرؤون"، وكما تقدم من أن التاريخ لا يقبل الفراغ كما قال تعالى ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً))، فإن سقوط الكافرين لا يكون إلا إذا كان الوارثون، وإلا فإن أخطاءهم لا تبين ولا تظهر مع وجودها.
﴿ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا﴾
إن هذه الآية من أعظم ما يمدح الله به عباده المجاهدين، إذ يصبح هؤلاء هم يد الله التي يعملها في العصاة من عباده، فيقذفهم إليهم كما يقذف سبحانه الشهب والأعاصير كما قال سبحانه ((فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون))، فكما أن الله يرسل آياته على الكافرين وعبيدهم، كذلك يرسل جنده من المؤمنين عليهم، فيعذبهم بهم، فصارت يد المجاهدين هي إرادة الله في الأرض، وهذا من أعظم الفضل والتكريم والمدح كما في الحديث القدسي:- ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل