تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الجواب: فهذا لا يضر، فإن الأعمى لا يضر وجود الشمس، بل يضر نفسه، ومنكر الحقائق لا يلغي وجودها، وإنما الخسارة عليه، ولذلك قال تعالى رداً على إنكارهم:-

﴿بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيراً، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً، لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيراً﴾

المؤمنون لا يضرهم فرح الكافرين بسقوط الشهداء، ففرحهم لا يغير الحقيقة أنهم في حسنى، ولا يؤذيهم هذا الفرح إن كانت مصيبة في المؤمنين، لأنها خير لهم.

هكذا يعلم القرآن أهله كيف يستعلون، ويترفعون على خصومهم في المعارك والنوازل، فلا يهمهم مقالاتهم، لا كما يفعل ضعفاء النفوس من المسلمين حين يرقصون فرحاً لكلمة تقال فيهم مدحاً من طاغوت أو كافر، ويبكون حزناً وألماً إن قالوا فيهم شراً، فمثل هؤلاء لم يتربوا على مائدة القرآن، ولم يفقهوا كتاب ربهم.

في سورة هود كشف الله الإنسان الكافر وضعيف القلب والإيمان والإرادة والعلم، وتفضح ضعفه، وفقر إدراكه، وقلة علومه، وعجز إرادته، وصغر مطالبه فقال:- ((ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور، ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولون ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور، إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير)).

بعد هذا الكشف الإلهي لهذه الحقائق ذهب لرسوله صلى الله عليه وسلم ليقول له:- أمن أجل هؤلاء تترك الحق الذي أنزل إليك؟! ولعقول هؤلاء وما تفرزه من أقوال يضيق صدرك بما معك من الحق، فقال سبحانه:)) فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، إنما أنت نذير، والله على كل شيء قدير)) ,

هذا هو فقه القرآن، وهذا سبيله حين يرفع نفوس أتباعه لتستعلي على الباطل، وتمتلئ عزة وفخراً بما معها من الحق، وتزداد بصيرةً أن خصوم دينهم ((إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون)).

وهذه هي مقدمة الجهاد، لأن القتال لا يكون إلا مرحلة تصل فيها القطيعة النفسية والعلمية إلى منتهاها، أما إن كان هناك مجال للتلافي فالقتال لا يصير إليه إلا السفهاء، فأما الكافر فحقده وحسده وبغضه للدين لا يعلم مداه إلا الله تعالى، لكن المؤمن لسلامة سريرته، وحسن نواياه، وطيبة نفسيته فإنه بحاجة لهذا الكشف القرآني لنفسية وحال وعقل الكافر، ولذلك جاء التحريض الرباني ضده، يستفزه ليقبل على قتاله وهو مرتاح أن مثل هؤلاء شر لا خير فيهم، وفساد لا صلاح فيه، وضلال لا هوى فيه، أما هؤلاء الذين يشعرون بالهزيمة أمام أعدائهم، وبالضعف أمام أحكامهم، والخنوع أمام نظراتهم، فهؤلاء لا خير فيهم، لا في دين، ولا في عقل، ولا في جهاد، وهؤلاء هم خصوم المجاهدين، فإن عمدة أقوالهم اليوم أن المجاهدين يسيؤون سمعة المسلمين، وهم ضعفاء مهزومون، بل عبيد أمام أسيادهم الكفار، ولذلك فلا عجب أن يحتقر الواحد منهم ملايين المسلمين، ولا يرى لهم قيمة، ويرقص فرحاً إن سمع أحد الكفار وخاصة طواغيتهم ذكره بخير، أو أثنى على حزبه وطائفته، وكل هذا من النفاق، وضعف الإيمان.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٧٣