تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالجهاد في سبيل الله فيه الصبر، وفيه التوكل، وفيه اليقين، وفيه الإحتساب، وفيه رؤية الوعود، وإبصار يد الله في أعدائه وفي أوليائه، ولذلك صدق من قال:- إن قراءة القرآن في الجهاد لها معنى يحسه المجاهدون ولا يحسه غيرهم، لأن بنية القرآن هي الجهاد في سبيل الله، فيتم التقاء الكلمة بمعناها فيتحقق النور والهدى والرحمة.

حين تحصل هذه المعاني في القلوب، وهي معاني حقيقية إيمانية وليس كما يفهمها أهل البدعة من أهل التصوف وغيرهم، فإنها هي سلاح المؤمنين لحصول النصر والثبات، وفي الآخرة دخول الجنان، ولذلك قرن الله تعالى في هذه الآية التوكل وأمر به مع ولاية الله تعالى للمؤمنين ((هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون)) ومعنى ذلك أن أبشروا بزوال هذا المصاب، لأنكم أتيتم بالدواء على حقيقته، فإن العاقبة لكم ولذلك قال بعدها سبحانه:-

((قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون)).

لقد ساوى الطرفان، طرف ذهب إلى ربه شهيداً فهو في الحسنى، ونال درجتها، وطرف بقي في الأرض يعيش في الحسنى، جهاداً وبلاءً، ينتصر بالله فينصره، ويبكي في الله فيصبر، فليس المتقدم خيراً من المتأخر، وليس الذاهب بخير من الباقي، وليس المنتصر خيراً من الشهيد، كما أن المنتصر ليس خيراً من المنتظر، فهذه كلها مراتب حسنى، وهي مراتب يعبد فيها الصالحون ربهم، لا يرون أن الأمر قد انتهى حتى تحط رحالهم في الجنة بجوار مولاهم الرحمن، فليخسأ المنافقون بجهلهم، فهم وإن فرحوا بالمصيبة على المؤمنين إنما كان فرحهم لجهلهم بما أصاب المؤمنين من النعيم، لأنهم ((يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون)) فحين يسقط شهيد من المؤمنين يفرح الأعداء بأنهم أصابوا مقتلاً في المؤمنين، لأنهم لا يعلمون أن هذا العبد قد ارتاح من عناء الدنيا وفتنتها، وصار إلى خير مقام، ولذلك ألق بسمعك لهذه الآيات وتأملها تأمل المؤمن البصير لتعلم قوة هذا الخطاب للمؤمنين، وجهل الكافرين به، وهي آيات من سورة الفرقان، وهي سورة فرقان بين صورتين؛ صورة المؤمن، وصورة الكافر، في الدنيا والآخرة. يقول تعالى:-

﴿وقالوا مالِ هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها، وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً﴾

فهذا خطاب الكافرين بالآخرة، فلا قيمة عندهم إلا للكنوز، والطعام، ومغانم الشهوات، فاسمع ماذا قال حكم الله عليهم:-

﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً﴾

لكن استمع إلى خطاب الآخرة، وهو خطاب الله للأنبياء، وهم أكرم خلقه، وأحب عبيده إليه، وهو خطاب الحق والصدق:-

﴿تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً﴾

حين يأتي هذا الخطاب الرباني لنبيه وللمؤمنين، فماذا ستتصور رد فعل الكافرين والمشككين بالآخرة؟!

إنه الإستهزاء ولاشك، بل سيقول البعض: وماذا سينفع هذا الخطاب لمرء لا يؤمن بالآخرة؟

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٧٢