تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلبية قوية من التوكل على الله تعالى، ومن امتحان هذا التوكل، وترقيه، ومن قوة الإحتساب والتصديق بالوعد، وهي أعمال إيمانية واجبة كالصبر واليقين والدعاء، وهذه المراتب لا يمكن أن تكون في عمل من الأعمال الحياتية التعبدية كما هي في الجهاد في سبيل الله تعالى، ولذلك فالمجاهدون هم خيرة الخلق، ولا يخلص الصديقون إلا منهم ومن كانوا في معناهم من الجهاد العام كقول كلمة الحق، والهجرة في سبيل الله، والرحلة في طلب العلم، ولعل المرء يستطيع أن يلاحظ صعود الخط الصوفي البدعي لإدراك هذه المراتب بسبب خفوت حركة الجهاد كفعل اجتماعي تحياه الأمة، وتحوله إلى فعل وظيفة وعسكر، كما هو شأن انتشار الرهبنة في النصرانية ((ما كتبناها عليهم)) كبديل للنذر الذي كان يمارسه الأقدمون كما قالت أم مريم عليها السلام ((رب إني أنذرت لك ما في بطني محرراً)).

إدراك فضائل الجهاد في حصول المراتب العالية، والمعاني القرآنية الواجبة يرفع درجة نفوس أهله، ويقوي المسلمين للإقبال عليه، ولكن هذا لا يكون حتى ترتفع قيمة هذه السلعة الربانية، وقد تقدم علو كعب المؤمنين في إدراكهم هذه المعاني وفرحهم بحصولها ((فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون))، ولذلك كان فضل العلماء الربانيين وهم يقولون:- "نحن في نعمة لو عرفها أبناء الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف"، بل إن بعضهم قال:" إن هذه المعاني هي الشيء الوحيد في الدنيا الذي يشبه ما يحسه أهل الجنة"، وقد صدقوا، ولهذا ارتبط علو الجهاد في سبيل الله تعالى في الأمة بارتفاعٍ فهمها لقيم الحياة، وإدراكها لأذواق القلوب، ومحبتها للمعاني الإيمانية، ويقابل هذا زهد في الدنيا، وإعراض عن ملذاتها، والخوف من الإكثار منها حتى لا يصيبهم قوله تعالى ((ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون))، وهذا ميزان لا يقبله أهل الأهواء، ولا الكافرين بالدار الآخرة، أو ضعفاء الإيمان، وإنما يقبله الذين يفهمون قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لئن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس أو غربت"، أو الذين يبيعون كل ما يملكون مقابل ركعتين في السحر قبل الفجر، فمثل هؤلاء يعرفون قيمة الوقوف في الصف، وتبيت الأعداء، كما قال خالد بن الوليد رضي الله عنه:-" ما كان أحب لي في الأرض من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، أصبح بهم العدو، فعليكم بالجهاد"، فهؤلاء أصحاب المعاني، وكلما كان الرجل فقيهاً فيها كان عابداً لله تعالى، لأن هذه أعمال القلوب التي يحبها الله، وهي محط نظره سبحانه وتعالى، فتأمل مقام الفاروق في هذا وهو يقول:- لولا ثلاث لأحببت أن أكون لحقت بالله، لولا أن أسير في سبيل الله، أو أضع جبهتي لله في التراب ساجداً، وأجالس قوماً يلتقطون طيب الكلام كما يلتقط طيب الثمر" فبذلك تفهم معنى الإيمان في قلوبهم، لأن الإيمان ميزان بين أمرين، واختيار بين محبوبين، فإن رأيت أن كلمة سبحان الله أحب إليك من جبل من ذهب فاعلم أنك مؤمن، وإن رأيت أن مقام ساعة في الجهاد أحب إليك من ملك الأرض لو وضعت بين يديك فاعلم أنك مؤمن، أما إن كنت تقدم دنياك على آخرتك، وأعمال إكثار الدنيا على عبادتك فاعلم أن دعواك الإيمان ليست صادقة.

أما الحديث عن التوكل دون اختياره فهو كحديث المحبوب عن لذة النكاح، والكتابة فيه ككتابة مقطوع اللسان عن لذة الذوق، هذا مع العلم أن المعاني القلبية لا تكون بغير ابتلاء وامتحان لعزها وكرامتها، فثمن حصولها هو البلاء في البدن والمال والنفس، ولا ترتقي إلا بارتقاء الثمن، ولذلك أشد الناس بلاءً الأنبياء، وهم أعظم الناس في هذا الباب، والناس تبع لهم.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٧١