"هو مولانا"، فمن مولى المنافقين؟ إنهم لا مولى لهم، والله أعلى وأجل، ((فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين)) وعسى كما قال ابن عباس في القرآن واجبة الوقوع.
"هو مولانا" يقولها المجاهد حتى لا يحزن بهذا المصاب لأنه يعلم قوله تعالى: ((ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور))
﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾
هذه بشرى في العاقبة، لأن التوكل سبيل الفرج والنصر كما قال تعالى ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه)) والحسب هو الكافي، فلا يكون التوكل إلا خيراً، وهو أعظم سبيل لتحقيق ما يحبه المرء من رضا الله تعالى، ولكن قال تعالى ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً)) فالتوكل لا يعني أبداً خروجاً عن السنن في وقوع العاقبة الحسنة للمؤمنين، لأن التوكل فعل إيماني ككل الأفعال الإيمانية التي شرعها الله، وهذه الأعمال لها سنن تصير إلى مستقرها من خلال عامل الزمن وعامل التكرار، فلا يظنن ظان أنه بمجرد التوكل يقع الأمر على وجه تام منذ البداية، فهذا لا يكون، ولذلك قال تعالى:-" إن الله بالغ أمره" أي إن مراد الله واقع لا يرده راد، ثم قال:" قد جعل الله لكل شيء قدراً"، فلا تطلب الشيء قبل أوانه فتيأس وتنقلب على عقبيك، بل كن بصيراً بالقدر وسنته كما أنت بصير بالأمر الشرعي وسنته، وإياك وأوهام الصوفية، وخيالات الحالمين، وقصص الكرامات المكذوبة التي يظن البعض أنها هي الأصل في الوجود، فالكرامات حق وصدق لا يكذب بها أحد يؤمن بالكتاب والسنة، لكن الأصل هو السنن، وإقامة الأمم لا يكون إلا بها، وحياة الشعوب لا تستقيم إلا بالعمل من خلالها، وأي تجاوز لها هو معصية لله تعالى، وقتل للنفوس، وإزهاق للقوى، وأما العمل ضدها فهو معصية تعادل معصية شارب السم طلباً للحياة والقوة.
إن التوكل ليس علماً ذهنياً، بل هو عمل قلبي يصير المرء إليه إن خلا من القوة، ووصل إلى طريق مسدود، وقلب نظره في السماء فلم ير إلا باب الله تعالى يسأله ويرجوه ويستغيث به ويطلب منه النجدة والعون، ولذلك لابدّ من الغمرات، ولابدّ من المحن، ولابدّ من الإبتلاءات.
لقد استقر التوكل في قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ضاقت بهم الأرض في مكة، وفرغوا من حولهم وقوتهم، فتوجهوا إلى الله بكليتهم، فكان النصر، فأيقنوا أن باب الله تعالى هو باب النصر وحده.
لقد تربوا في كل مراحل جهادهم على هذا السلاح الذي لا يخطئ، إذ عاشوه في بدر وفي أحد وفي الخندق وفي حنين، فقد كانت تغلق السبل أمامهم، فيستغيثون بمولاهم فيغيثهم، فيعلمون صدق الوعد، وأن الأمر كله لله.
فمن دون الغمرات لا يكون التوكل، والذين يطيلون النظر إلى الأرض لن يفرغوا للنظر إلى السماء، والذين تقضى حوائجهم من أهل الأرض لن يسألوا من في السماء.
هذا لا يعني أبداً أن يرمي المرء بنفسه اختياراً في الماء بلا عدة، وفي الصحراء بلا ماء ولا زاد، فقائل هذا يرد عليه القرآن بقوله ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى))، لكن واقع الجهاد وقدره اللازم له يجعل العامل فيه في حالة عبودية