تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي تستنزف جزية يدفعها أهل الإسلام للكافرين المتغلبين أكثر مما تنفق على الجهاد في سبيل الله، وأن الذين يموتون في سبيل الطواغيت في حروبهم من أجل ضلالهم ومناصبهم وعقائدهم الباطلة أكثر مما يموت في سبيل الله تعالى، وأن المسجونين في المعاصي أضعافاً مضاعفة ممن يسجن في سبيل الله، وأن الموت في الراحلين في سبيل الدنيا أكثر من القتلى وهم مهاجرون في سبيل الله تعالى، فهل تغير الأمر حين ترك المسلمون الجهاد في سبيل الله تعالى من جهة الأرقام والمصائب والوقائع؟!

لو عقل المنافقون والمرضى والجاهلون أمر القدر كما أراده القرآن وعلمه المسلمين لدفعوا الشباب دفعاً للجهاد، وألقوهم جموعاً تتلو جموعاً للشهادة والهجرة، ولحولوا كل واحد من أمة الإسلام ومن شبابه إلى طاقة ضد أعداء الأمة، وضد هوانها، لكنه مما يندى له الجبين أنهم يجبنون عن الكلام في كل المصائب التي تكون بالمعاصي أو من أجل الدنيا، وإن وقعت مصيبة يقتل فيها عشرات من المجاهدين أقاموا الصراخ والعويل ولم يسكتوا، وبدؤوا بجلد قادة الجهاد من:- " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، ومما يجعل المصائب تتحول إلى ذخيرة خير للمؤمنين، وعدة طريق لنصر قادم هي تلك الكلمات التي أعقبت إيمانهم بالقدر وتسليمهم للعبودية وهي قولهم ((هو مولانا)).

"هو مولانا" يختبرنا بالضراء والسراء، بالنصر والقروح، فلا نغيّر ولا نبدل، ولا نشكو إلا ذنوبنا وتقصيرنا، ولا نعلق المصائب إلا على عجزنا أو كسلنا، وكلاهما يوجب الإستغفار والتوبة والإنابة، فالله مولانا في النصر، إذ لا يقع النصر إلا منه وحده ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)) وإمامهم يقول ((وهزم الأحزاب وحده))، وهو مولانا في القروح، لم يتخلى عنا، ولا كان سقوطنا إلا مرحلة من مراحل الطريق، وسنة من سنن الله مع الأولياء.

"هو مولانا" في المصائب إذ لم تكن قاصمة، وهو مولانا إذ لم تكن في ديننا، وهو مولانا حين أخذ بعضنا شهداء وأبقى غيرنا اساءة للكافرين ولمواصلة الطريق.

"هو مولانا" هو مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد، وقد أصيب في جسده، وفي أصحابه، وكيف لا يكون كذلك وما وقع بنا إنما كان في سبيله، فهذا الحبيب ينظر إلى أصبعه وقد دمي فيقول:- ((ما أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت))، وحين يكون الأمر في سبيل الله فلا يقع في أهل هذا السبيل إلا الخير، إن أصابتهم سراء شكروا، وإن أصابتهم ضراء صبروا، وعلى الأمرين لهم جزاء الخير، لأن الله مولاهم.

"هو مولانا" لأنا طلبنا النصر منه، ونازعنا بالجهاد أعداءه، ولم نكن كالمنافقين والمرضى نطلب الرضى من أعداء الله تعالى، ولا نجني من الإنتصارات ما يأذنوا بها، بل نأخذها بعزة الإسلام وبنصر الله وبذل الكافرين.

"هو مولانا" فلا يقع قدر من الأقدار إلا بإذنه، فما أذن به من المصائب إنما أذنه ليختبرنا به، ولنرقى به في سلك العبودية، ولتكون الفرصة في إثبات عبوديتنا له في العسر واليسر، ولثقتنا أن المصائب خطوة للنصر كما هزائم الأعداء سواء بسواء.

"هو مولانا" فقد جاهدنا ثقة بوعده، وهو صادق الوعد، لا يخلفه ولو طال الزمن وتأخر، لأن كل شيء بقدر، ولا يأتي أمر إلا بعد اكتمال سنة الله كالوليد لا يخرج من بطن أمه سليماً إلا في موعده، فإن خرج قبل ذلك كان سقطاً.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٦٩