تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد تكرر ذكر فرحهم بالشر في هذه السورة فقال تعالى:-" فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله" وقال تعالى عقبها:-" فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون".

وفرحهم هذا عاقبته العذاب كما قال تعالى في سورة غافر:-" ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون، ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين".

﴿ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين﴾

وقد ذكر ذم فرح المؤمنين والكافرين في القرآن في مواطن، وذكر فرح المؤمنين المحبوب في سورة يونس فقال سبحانه:- ((يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون))، وهذا فرح وسرور أصحاب المعالي والمعاني، الذين يرون حصول النعم في القلوب خيراً من المال والمتاع والترف الدنيوي، وهذه المرتبة تمنى حصولها عقلاء البشر، وهي ممدوحة في كل أطوار التاريخ حتى صرنا إلى هذا العصر الذي انحدرت فيه هذه المعاني في عموم البشرية، ولم يبق من أهلها إلا المجاهدون في سبيل الله وخاصة أئمتهم وقادتهم، فإنهم يهجرون كل نعيم دنيوي رجاء نور آية يضيء في قلوبهم، أو رجاء بارقة رضى رباني يحسونه، فلذلك هم أعظم الناس زهداً في الدنيا، وأعظمهم حباً للآخرة، علم صدق هذا القول كل من تأمل حال الناس في هذا العالم، وكل من راقب التنظيمات والتجمعات الإسلامية وغيرها، ولذلك هم أحق الناس دخولاً في هذه الآية:" قل بفضل الله ورحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون"

﴿ويتولوا﴾

هم مازالوا في تولي عن الحق، وإدبار عن أهله، وبعد عن طاعة الله والنظر للدار الآخرة، ويذهبون مرة ومرات ليأخذوا العدة في تدبير جبن آخر وإن كان للمؤمنين كرة أخرى.

﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾

هذا دواء رباني ناجع يعالجون به قروح أقوال هؤلاء المنافقين، لأنهم يؤذونهم وستكون كلماتهم خناجر شر في قلوب المؤمنين، فبماذا سيرد المؤمنون المجاهدون على جلد هؤلاء المنافقين لهم؟! وخاصة ما يقال من ادعاء الحكمة ومعرفة عواقب الإندفاع بالجهاد في سبيل الله تعالى.

الجواب هو: قدّر الله وما شاء فعل، فما وقع بنا واقع لا محالة بالجهاد إن أطعنا الله ومارسناه عبادة، وبترك الجهاد إن عصينا الله وأعرضنا عنه، فكما أن المنافقين سقطوا في الفتنة حين هربوا من الجهاد، فالمؤمنون فرّوا من قدر الله إلى قدره، وعالجوا قدر الله تعالى بما أمر من أقداره الشرعية، فإن وقع أمر فهو مقدر وكائن لا محالة، بطاعة الله تعالى أو بمعصيته.

هم سيقولون الكثير، اتهاماً للجهاد، وسباً للمجاهدين، وسيتخذون المصائب دليلاً على بطلان هذا الطريق، ولكن ليعرض عليهم أهل العلم الواقع، وليظهروا للمسلمين الذين يموتون طلباً للشهوات أكثر مما يموتون طلباً للشهادة، وأن الخيرات

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٦٨