بهذه الكلمات يبدأ جلد الكبار الجبناء للصغار التابعين، وبهذا التنفخ الفج القبيح يلقون على أنفسهم أوصاف الحكمة والنظر والبصيرة في العواقب، والله يقول عنهم: منافقون.
إن المسلمين المجاهدين ليسوا برءاء من وقوع المصائب عليهم كما يقرر القرآن، وليس وقوع المصائب عليهم بسبب خطأ طريقهم، بل هي سنة الأنبياء:" يوم لنا ويوم علينا"، ووقوع هذه المصائب والسيئات دليل عند أصحاب الجبن والبخل والهوى والبدعة أن ما يقولونه من الإعراض عن الجهاد هو حق وصواب، وهو فرحة لهم للضحك والإستهزاء بالأتباع الذين سيقولون: لقد صدق أسيادنا وقادتنا، فقد فكروا خير تفكير، وأجالوا في الأمور خير ما يكون، وقد تنبئوا فصدقوا أن مصير هؤلاء إلى هذه المصيبة فالحمد لله أننا أطعناهم وآثرنا السلامة.
هذه من فتنة الله تعالى بهؤلاء الجبناء والبخلاء، وهي من الإبتلاءات بالمؤمنين، لأن هذا أشد ما يصيبهم، لكن هذه سنن هذه الطريق، يجب على أهل الإيمان أن يفقهوها، وأي شك في القلوب في صدق هذا الطريق، أي طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأحكام القرآن يجب أن تزول من قلوب أهله، وإلا سيزولون إلى صف الجهالة والبدعة والجبن والبخل.
هذا طريق شاق، حارق، مزيل لكل أمراض القلوب، ومزيل لكل أصحاب الأمراض، لأن ذروة القمة تكشف كل الخلل والأمراض الكامنة في الأبدان، ولا يستقر عليها إلا أهل العافية والقوة والصلابة، والجهاد ذروة هذا الدين، تتساقط فيه الهمم الضعيفة، والقلوب المريضة، ولا يستقر عليها إلا أهل القلوب مع الله، وأصحاب الصدق واليقين، والعلم بالله وبالقرآن والسنة.
﴿قد أخذنا أمرنا من قبل﴾
هي حكمة الجبناء والمخذلين، يرددونها بعد أن يبقوا ممتعين في هذه الحياة، وبعد أن يمضي الشهداء لربهم، ثم يسير إلى هذه الحكمة الجبانة من تاب من الجهاد، وآب إلى سلطة حكماء الجبن والقعود والتخذيل، ليقولوا: قد جربنا، وقد نجونا من الأولى، ولا نأمن أن ننجوا من الثانية فلنؤي إلى هذه الحكمة التي تبقينا على الهامش، وليسعنا ما وسع الآخرين من دين يقول به فقهاء هذه الحكمة، وجماعات تسيّر من قادة شعارهم هذه الحكمة، فقد صارت لهم ديناً، وصارت لهم معلماً، وهي خادعة، لأنها تحمل الأمان، والبقاء، فالجهاد قد تنتصر به مرة فتفرح، ولكن لا تأمن أن يعثر بك أخرى فيكون القبر والبلاء، فلماذا لا نأوي إلى شاطئ السلامة الدائم، نعم هو لا يحقق النصر، لكنه يحقق البقاء، وهو كبقاء الديدان، طويلة الحياة، خسيسة الحياة كذلك.
إن الأمر الذي أعدوه من قبل، وحضروه لهذه الواقعة سهل ميسور، لا يحتاج إلى كثير تعب، ولا شيئاً من الإعداد، بل يحتاج إلى أمر واحد، أن تنسحب من صناعة الحياة، وأن تأوي إلى مدرجات المشاهدين، وخذ معك شيئاً من الكلمات الكبيرة، وجرّد لسانك حاداً، لا يتقن إلا مضغ اللحوم، وهتك الستور، واتخذ شيئاً من الأرشيف، لأنه سيلزمك في هذه المعضلة، فبه تقضي على الخصوم، ودع نهر الحياة يمضي، وسترد عليك الجثث، فقم بعدّها، وستسمع آهات المكلومين فأحسن استخدامها في التخويف من سلوك الصعاب، ولا تنسى أن تجمع أمثالاً لك من مرضى القلوب، وحاملي الرايات