هذا أعظم ما يخوف الله به عباده، لأن هذا القرآن قوامه على الإيمان والدار الآخرة كما قال تعالى ((بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر، أفلا يرون أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها، أفهم الغالبون، قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصمّ الدعاء إذا ما ينذرون، ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين، ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)) فهذه الآيات جامعة لسبيل الله تعالى في تعامله مع الخلق، وخاصة أهل الإعراض، يمتعهم قليلاً إن كان لهم فسحة من عمر، ولكنهم ينقصون ويموتون، وقد اختلف أهل العلم في تفسير قوله تعالى ((أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)) وقد رجح الكثير هو نقصان أمر وسلطان الكافرين وزيادة المؤمنين بالنصر والعزة، وهذا وجه من وجوه التفسير، والآية تحتمل غير هذا المعنى، وخلاصة معنى هذه الآيات أن الكافرين معذبين في الدنيا حتى لو طال بهم التمتع فيها، وإن نذارة القرآن لن تنفعهم لعممهم عن الحق، وهذا لا يغير من حقائق الدنيا والآخرة شيء، فسيبقى المؤمنون ينذرون الكافرين بعذاب الله حتى لو لم يفقهوه، وهذا رد على من استهزأ بالمؤمنين حتى يحذرون الكافرين من جهنم وعذابها، فيقولون:- إنهم لا يؤمنوا بها فكيف يخوفون بها، والله يقول:-" قل إنما أنذركم بالوحي" فلا يملك الأنبياء إلا إياه، وهناك عذاب آخر هو قوله تعالى:" قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا" كما سيأتي في هذه السورة، وقد أنذر الأنبياء أقوامهم يوم القيامة مع عدم إيمانهم بها لتتم الحجة عليهم.
هؤلاء الهاربون من الجهاد ساقطون في الفتنة، وهي أنواع، أعظمها الذنب الذي يوجب العقوبة في الآخرة، ولذلك قال:-" وإن جهنم لمحيطة بالكافرين"، وهناك فتن منها موت القلب، وخبث النفس، والذلة كما ضربها الله على بني إسرائيل ((وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله)).
﴿إن تصبك حسنة تسؤهم، وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون﴾
هذا شأن المنافقين، وقد تقدم هذا المعنى في سورة آل عمران في غزوة أحد عند قوله تعالى ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط))، وفي هذه الآيات معنى زائد عما في آل عمران وهو كشف القرآن عن سبب هروبهم من القتال وهو قولهم ((قد أخذنا أمرنا من قبل)) فهؤلاء أهل خبث ماكر حقاً، وخبثهم هو ما يسمونه الإعداد للعواقب كما قال الله عنهم: ((فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة))، فهم يعدون العدد للمصائب، ولا يلقون كل أوراقهم وقدراتهم في مكان واحد كما يفعل المجازفون والمتهورون!! من المجاهدين، فالمجاهدون عندهم أهل غفلة، وجهل، ولا يعدّون العدة للعواقب، بل هم شباب لا يدرك ما تخبئ له الأيام التالية!!.
هؤلاء منافقون في القرآن، وهم عند أنفسهم أهل حكمة وتجربة وحنكة وبصر، ولذلك حين يدعوهم المجاهدون لحرب الأبيض والأسود، والعرب والعجم، والطواغيت القريبة والبعيدة، يجيبونهم: أنتم أهل مقامرة، وقد غرّكم دينكم، فما أنتم إلا قلة لن تصمد لحظة من اللحظات، أما هم فيقولون إن أصابت المؤمنين مصيبة:-" قد أخذنا أمرنا من قبل"، أرأيتم مقدار وعينا على العواقب، وهل أدرك الصغار التابعين حكمة جبن كبرائهم حين وصفوهم من التورط مع المجازفين والمتهورين من حملة الجهاد في سبيل الله تعالى؟