لقد هرب الكثيرون من عبادة الجهاد في سبيل الله مخافة الفتن فيما زعموا، واجتهدوا وسعهم في اقتباس مناهج الباطل، ادعاءً أنها أسلم وأقل كلفة، وتوصل للمراد، فماذا كانت النتيجة؟
لقد سقطوا في أعظم مما هربوا منه، فقد هربوا من الشهادة والإنفاق في سبيل الله تعالى والإبتلاء فوقعوا في الشرك، إذ أقروا بأحكام الجاهلية، ولم يعد من الشر ولا الشرك في علم هؤلاء أن يقولوا: "رضينا بالديمقراطية حكماً فعلينا أن نقر بنتائجها"، يقولون هذه الكلمة السهلة على ألسنتهم، وهي من أعظم الكبائر في دين الله تعالى، بل هي الشرك الصراح الذي لا يشك فيها أحد يعلم التوحيد وما يضاده.
هربوا من قتال المشركين والمرتدين فوقعوا في خدمتهم وطاعتهم، وكحال كل من يعصي الله في أمر إلا ويسلط الله عليه هذا الأمر، لأن الله تعالى هو المتكبر، إذ يسلط الطواغيت على عبيدهم فيذلونهم ويخزونهم كما قال تعالى ((ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال المبين، يدعو لمن ضره أكبر نفعه لبئس المولى ولبئس العشير)).
ليتأمل أهل الدين والعقل ماذا قدّم المعرضون عن الجهاد لأمة الإسلام، وأي شر جنوا عليها وعلى أتباعهم، وكيف أوقفوهم عن أعمال الخير العظمى تحت باب الإنتظار والصبر دون تبصر ولا هداية، ثم ليروا مقابل ذلك ماذا قدّم المجاهدون للأمة، وكم حققوا لها من خير؟ وكيف أبصر الناس الحقائق بهم، وظهرت مخبوءات النفوس من أهل الكفر كما ظهرت قوة الإيمان وأثره في الحياة وعلى الشباب والأمم؟!
لقد هربوا من الجهاد مخافة القتل أو الإبتلاء والسجن، فسجنوا وقتلوا، وأعرضوا عن الجهاد مخافة الموت في سبيل الله تعالى فمات الشباب في وديان الباطل والبحث عن الأوهام، لرحلاتهم ومجازفاتهم إلى الشهوات وخدمة الكافرين، وتركوا الجهاد لعل طرق السلامة توصلهم فما زالوا مكانهم، ويظنون أنه مجرد البقاء نصر، مع أنه بقاء يستمد وجوده من إذن الكافرين، إذ يبذلون الجهود في بناء المؤسسات والجمعيات وبإرادة جند الشيطان في لحظة يذهب كل هذا هباءً كأنه لم يكن.
إن ضريبة ترك الجهاد أعظم بكثير من ضريبة الجهاد، فبالجهاد في سبيل الله لمن تأمل آثاره في بعض البلاد أن صار شهداء، وصار إنفاق أموال في طاعة الله، وهاجر من هاجر فرزقوا الخيرات الكثيرة التي لم يكن لهم أن يحلموا بها لو بقوا في بلادهم، أما إذا قيل إن الناس عُذِّبوا لما سكنت موجة الجهاد فيقال نعم، لقد عُذّب الناس لما تركوا المجاهدين في الميدان، وخلوا إلى شهواتهم، وجبنوا عن اللحاق بهم، فعذبهم الله تعالى بأن سلط عليهم من خافوه من دونه سبحانه وتعالى، ولو قام الناس مع المجاهدين لكان لهم شأن من العزة والنصر والتمكين، أما المجاهدون فلم يصبهم إلا الخير بإذن الله تعالى حسب منهج القرآن الحق، وأما المشاهدون المنتظرون والمتاجرون بدماء الشهداء فكفى ببقائهم يلعقون أقدام الطواغيت عذاباً من الله تعالى.
﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾