بل إن بعضهم يزعم أن الأمة لم تجاهد إلا لوجود إجماع على الجهاد، يقولون هذه السفاهات دون أن يقدموا دليلاً واحداً على ذلك، بل التاريخ يشهد ضدهم، والأمة اليوم بسبب غياب القرآن عن الحكم والقضاء صارت أوزاعاً وفرقاً، لا تنتسب في هذه الفرق والطوائف للدين بل لمسميات جاهلية، ومع ذلك فإن هؤلاء يرفعون عن الأمة حكم الجهاد حتى تتحقق وحدتها باسم الدين وتحت مظلته، ويحتجون بأن الجهاد لو وقع اليوم لاتخذ مطية لهذه الفرق من أجل أهوائها، هذا مع أن أهل الجهاد يدعون الناس إلى جهاد لا شبهة قرآنية ولا سنية فيه، بل هو جهاد مجمع عليه عند سلف الأمة وأهل العلم السابقين الموثوقين، كجهاد المرتدين والكفار الأصليين، لكنهم يزعمون خوف- الفتنة-، ويتسترون بالتقوى وأن السيوف مشتبهة عليهم، مع رفضهم دوماً خطاب الشريعة والفقه، واستخدامهم ألفاظ عامة لا تصلح لشرع ولا لدين ولا لجهاد في سبيل الله تعالى.
هذه التقوى الكاذبة، وهي غير التقوى الباردة، لأن التقوى الباردة هي التقوى المتكلفة في ترك الهيّن من الفعل، واقتراف الكبير منها، وأما هذه فتقوى مدّعاة لا حقيقة لها في قلوب أصحابها، بل هي مزاعم يتخذونها ستاراً لهم من أن يأتوا الصالحات.
تتجدد صور اتخاذ الدين والتقوى ذريعة تصد عن دين الله تعالى، لأنه منهج موهم، وتتحقق آثاره دوماً، بل ربما يصير هذا المنافق المدعي إماماً لغيره، لما يخدع به الآخرين، خاصة إن كان من أهل اللسان وتقليب الكلمات والألفاظ، وأقل ما فيه أن يعذره الآخرون بقولهم:- (رجل خاف الفتنة فدعوه لما هو في الدين ولا تضيقوا عليه)، ومن عجائب أهل زماننا أن الصوفية التي قام أساسها على هجران الدنيا بما يسمونه الزهد، وعلى مجاهدة النفس التي يسمونها الرياضة إلا أنها صارت خياراً للجاهلية في صرف الناس عن المجاهدين، فهم مقربون إلى الكفر وأهله، ومرضي عنهم، مع أن أئمتهم فيهم سعار حب الدنيا والإستكثار منها أكثر من سعار مريض الكلب، وطبقاتهم اليوم في كل مكان شر على الإسلام وأهله لا ينتفع بهم في أي خير كان يحصل من بعض في الماضي.
﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾
لا يتخفى المرء بأمر من أمور الدين، وإلا وهذا الأمر يكشفه، وما من آية يحتج بها مبطل على باطله إلا وفي الآية نفسها ما يرد عليه، فهذا أمر من خصائص الحق، يحرق مدّعيه، ويهتك ستر زاعمه، إذ سيأتي عليه محن تكشفه، سواء كانت مسائل علمية تبين اضطراب فهمه، واختلال قواعده، أو عملية تجعله يلغ في ما زعم الخوف منه، ولذلك من عجائب سير مانعي الجهاد في سبيل الله محافة الفتنة أنهم يفتون للطواغيت قتالهم ضد خصومهم، ويبيحون لهم دماء مخالفيهم، ويضفون الشرعية على حروبهم الجاهلية، فقد قامت حروب لم يذكر فيها اسم الله تعالى إلا ستاراً لباطل فركض إليها زاعموا الخوف من الفتنة حين يأتي المجاهدون في سبيل الله، وصاروا من وقودها ومسعريها، ووضعوا أسماءهم على أحكام القتل ضد المجاهدين بدعوى أنهم أهل حرابة فاستحقوا حكمها، فأين تقواهم المدعاة، وأين خوفهم من الفتن كما زعموا.
﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾