تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتبين له أن المرء يريد الحق، لكنه يصل به المطالبة بالحق من خلال منازعة المسلمين إلى القتال وإراقة الدماء، فهذا شأن الفتن لا تقع بقرار من أهلها، لكنهم يمهدون لها دون إدراك وعلم، فهكذا أدى الأسلوب الأول وهو صرف المسلمين عن الطاعات إلى تحويلهم إما أدوات للباطل ضد المسلمين في أيدي الكافرين، أو أدوات صراع بين المسلمين أنفسهم.

الدين حق، وأمر رباني، لكن يجب على المسلمين إدراك مستوياته حتى لا يضخم أمر على أمر أكبر منه، ثم يجب الحذر من إتخاذه سلاحاً بيد الأعداء، لأنه خطاب يمكن إتخاذه سلاحاً ككل خطاب آخر، وقد جعل الله فيه إمكانية الفتنة إبتلاءُ للمؤمنين كما قال تعالى ((هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات بينات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) فالقرآن لا يملك الحصانة من تأويله وتحريفه في معانيه كما يملك عصمة تبديله وتغيير ألفاظه كما قال تعالى ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))، وكم كلمة قيل فيها ما قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه:" كلمة حق يراد بها باطل"، وهذا من باب الإبتلاء للمؤمنين وللعلماء منهم، فإن الشبهات باب من أبواب الشيطان، وأعظمها ما كان دليله من القرآن والسنة على وجه التحريف والتأويل.

لقد حرّم المرضى والمنافقون اليوم الجهاد، واحتجوا بالقرآن والسنة، وأخضعوا الأمة للطواغيت، وأشربوها كأس الذل والخضوع والإهانة، وكل ذلك بآيات القرآن وبأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كانت انتكاسة هذه الأمة أشد من غيرها، لأن باعث الجهل فيها هو الدين الباطل، وباعث الخنوع والذلة والجبن هو الدين المزور، مع أن أمما كثيرة تتحرك بفطرتها في الحياة، وبما يحقق لها مصالحها دون أي اعتبار ديني لكنها تسير مسيراً صحيحاً في مجموع هذا السير، لكن حين يتحول الدين ألعوبة بيد الطواغيت، ومحرفاً بأيدي فقهاء الباطل، وفتوى خنوع في فم قطاع الطريق فإن المحنة تكون شديدة، ومن أجل ذلك كان من تحذيرات الحبيب المصطفى لهذه الأمة أنها ((ستتبعون سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه وراءهم)) فكما أن هذه الأمة مجمع الخير، وأعظم الأمم، ومعصومة بمجموعها، إلا أنها مجمع كل شرور الأمم السابقة، فلا يوجد ذنب وقعت فيه أمة سابقة إلا وسيكون فيها، ولذلك فلا عجب أن يكون فيها طائفة جهاد تأتي بالعجائب من الكرامات، وخيرات الأعمال في إصلاح العالم وتقويمه، وهدم صروح الباطل وأصنام الكفر، ثم يكون أكثرها في ذل ومهانة لا مثيل لها في الأمم، وترجع إلى التبعية والسخرة لأعدائهم، ويكون أخس خلق الله هم قادتها وأهل الشأن فيها، وأعجب العجب أن يكون المجاهدون- وهم أكثر الخلق في زماننا- لا شأن لهم بين مشايخ الفتوى والدين والفقه، مع أن أحدهم لو وجد في أمة أخرى لافتخرت به حاضراً وتاريخاً، يعني أفرادها بالعزة والرشد والقيادة، لكن صدق من قال:- لا كرامة لنبي في وطنه، وما ذلك إلا بسبب خذلان الله لأهل الكسالة والبطل والجبن والبخل والنفاق.

﴿ائذن لي ولا تفتني﴾

لقد قال ذو النورين الخليفة الراشد عثمان بن عفان كلمة صدّقها التاريخ:" والله لو قتلتموني لا تجتمعوا على قتال عدوي بعدي أبداً"، فافترق المسلمون كيانات سياسية، واشتعلت ممالك عن مركز الخلافة، ولم تعد الوحدة بينهم وبين المركز إلا وحدة اسمية، وكان الفضل لكل مملكة يقدر بما يكون فيها من جهاد ضد الكفار والمشركين، فيرفع الله شأن هذه المملكة بالجهاد، ويذهب عنها الخير وحب الأولياء لها بما يتخلف أهلها عن الجهاد، وهناك قوم يعلقون الجهاد على وحدة الأمة

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٦٢