تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجهاد والمجاهدين ولكن ... ، بهذه الكلمة يتم الإختراق، ودوافع هذا الإستثناء يكون تارة بسبب حقيقي في الإختلاف، ولكن الكثير منه سببه الخوف من دفع ثمن الدخول في طائفة الجهاد، أي ليحفظ لنفسه من المسائلة التي تترتب على قوله إنهم منه وهو منهم، وهذا الخرق يبدأ في الإتساع، لأنه في حقيقته إعطاء موطئ قدم للشيطان وجنده في نفس وعقل قائله، وبعدها يسهل جره بعيداً عنهم حتى يصل للعداء لهم، ولذلك فإن التقوى أن تكون منهم بكلك، وزعمك أنك لست قائلاً بكل ما فيهم تحت باب الورع زعم باطل، فأنت لست الحق المطلق، لا بما تقول ولا بما تفعل، ولو خطوت خطوة واحدة في العمل لأدركت فساد قولك حين يأتي آخر ليقول عنك هذا القول، لكنك في ساحة الوسع وعدم الفعل، وقلة العلم، وفراغ الممارسة تصغي عليك حالة من شعور امتلاك الحق المطلق الذي يعطيك حق وزن الآخرين من خلالك.

يبدأ هؤلاء بدعوى عدم التقليد، فإنهم لجهلهم يظنون أنهم لو قالوا نحن مع المجاهدين في كل أعمالهم سيفقدون حق الإختصاص بأنهم أهل نظر مستقل، وأن لهم القدرة العلمية والعملية بأن يكون لهم شأن خاص، ووجود مستقبل، ولو قدّر لأحدهم الممارسة حقاً لرأى مقدار أوهامه التي يحياها، وأما إن بقي في صحراء الفراغ دون عمل فسيموت وهو يشعر دوماً أن المسلمين لا يعرفون قيمته، وأنه لم يأخذ فرصته في الإبداع والقيادة والتوجيه.

إن قول أهل التقوى والدين والعلم إنهم مع المجاهدين في جهادهم يعني براءتهم من الكافرين، وإعذارهم للمؤمنين، كقول الصحابي الجليل: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء (أي الكافرين)، وأعتذر إليك مما فعل هؤلاء (أي المسلمين)، وهو عين قول النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة عن فعل لخالد لم يرضى عنه: ((اللهم إني أعتذر إليك مما فعل خالد))، فهذا حوار داخل الصف، وهو قول من خلال العمل والولاء والإنتماء لا بعيداً عنه، ولا إعراضاً عنه، والتبعة تكون على الجميع، أما الإستثناء من هؤلاء فهو حجة لهم في الإبتعاد الكلي عنهم، وقد رأينا هذا من خلال الممارسة، أي أنه يبدأ من هذه ((لكن ... )) ثم ينتهي أي أن يكون مع الآخرين، بل وصل بعضهم أن يكون مع الكافرين ضد المجاهدين.

أن تصدق مع الله، وأن تنصح لأهل الجهاد هو أن تكون منهم، تحمي ظهورهم، وتدفع عنهم جهل الجاهلين، وظلم الظالمين، أما أن تجلس لتتلقف أكاذيب أعدائهم، وجهالات خصومهم لتتخذها ذريعة لتتنصل من فعلهم فهذا فعل جبان وجاهل، وهو صنيع المتخاذلين، وحين تتستر بالدين والتقوى يكون ستراً عن نفسك وعند أهل الدين وأهل القرآن مكشوفاً.

هذا المستوى يرضاه منك الأعداء، وهم يتقنون البناء عليه واستغلاله، لما يملكون من منصات إعلام هجومية، وقدرة في الوصول للجموع، وتقييدهم أهل الحق من الدفاع ونشر الحق، والصور الصادقة للفكر والحدث، وعندهم لعبة جاهزة، وللأسف فإنها كثيراً ما تؤتي أكلها وهي شقّ الصف بمجرد وجود فجوة صغيرة فيه، إذ يبدؤون بغرس حرابهم فيها وتوسعتها حتى يتم الفصل النهائي، والدافع في بدايته هو الحق والدين وتحقيق الصواب، ولذلك يجب قراءة الخلاف من وجوه كثيرة، ليس فقط ما تعتقد أنه الصواب، لكن لابدّ من النظر إلى عواقبه، لأن عواقب الخلاف شر من الخطأ الذي لا ترضاه في الآخرين، ولذلك فإن هذا المستوى اليسير يصل كثيراً إلى الحرب والقتال بين الطائفة الواحدة، وقد تبين من سنن التاريخ والفتن، أن الفتن لا تكون بقرار، وأن أصحابها لا يريدونها، لكنها تبدأ منهم على وجه الخير في مرات كثيرة ثم سرعان ما يتلقفها الجهلة والمنافقون والكفرة فيدفعونها إلى نهايتها، ومن تأمل معركة الجمل رأى هذا جلياً وواضحاً،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٦١