نعم، هذا وجه لأن سعيهم السابق كان له تأثر كما حدث من رجوع ثلث الجيش في أحد، وكما هو شأنهم في الأحزاب، لكن صرف الله هؤلاء المنافقين عن الذهاب معهم في هذه المرحلة الشاقة الطويلة هو لاستغناء المؤمنين عنهم، وعن تكثير السواد بهم، لأن هذه رحلة الصبر، وهو عدتها، فأي إضعاف له هو الفتنة.
ووجه آخر أن المؤمنين بين حالين؛ حال يقدرون فيه رد فتنة المنافقين وإبعادها وعزلهم، وحال لا يكون لهم القدرة في ذلك، والله عز وجل هو الناصر لدينه، ومؤيد العاملين له.
﴿ومنهم من يقول أئذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾
لقد كان احتجاجهم سابقاً بالظرف وعدم القدرة فأكذبهم الله تعالى، وها هي حجة جديدة، لكنها من نوع آخر وسبيل محدث، وهو التستر باسم التقوى وخوف المعصية، فهذه لغة لها القبول في قلوب المؤمنين، بل ربما ترفع درجة صاحبها في نظر البعض، لأن دافعه- زعم الخوف من الله، وحفاظة التقوى والإيمان.
هذا فن شيطاني محكم، تقوم عمادته على ضرب الدين باسم الدين، وقد نقل بعضهم عن بعض أتباع الشيطان قوله: "لا يوجد طريقة أحكم ولا أقوى من محاربة الدين باسم الدين"، والتخفي بالتقوى للهروب من التكليف والجهاد وأساليبها.
خطاب هؤلاء اعتمد أن الذهاب إلى أرض الروم محفوف بالمخاطر الدينية، لأنه قذف لهم في أماكن فتنة النساء البيض، وقد علم قديماً أن نساء بني الأصفر سافرات، يحضرن بهذا السفور في المجامع والأسواق ومجالس الرجال، فادعى البعض أن ذهابهم لتلك الأرض مع المؤمنين سيعرضهم للفتن والمعصية؛ فجعل الله جلوسهم وعدم نفيرهم هو الفتنة التي أوبقوا أنفسهم بها، ومن كان هذا حاله فجهنم مصيره ومستقره.
الجهاد في سبيل الله تعالى فعل إنساني، وهو محكوم بسنن الأرض وقواعدها، وإن كان الفعل كذلك فهو نسبي، فيه الحق الكثير، وفيه الضرر والخطأ، والأحكام الشرعية مبناها على الغلبة، فحين يكون الفعل ضرره أكثر من نفعه فإن الشرع يمنعه، وحين يكون الفعل نفعه أكثره من ضرره يحله الشرع ويحضّ عليه، والتقدير يعود للشارع لا للخلق، وكذا ضبط المصلحة والمفسدة، فإن المعروف ما عرّفه الشارع وحضّ عليه، والمنكر ما أنكره الشارع وحضّ على تركه، فالذين يطلبون من الجهاد النفع المطلق، والحسنات التي لا تشوبها سيئة، والمعروف الذي لا يقارنه ضرر هم واهمون جهلة، ووجود هذه الخلائط هي فتنة المنافقين، إذ يلقون على هذه الشوائب مرايا التكبير، ويضخمونها حتى تبدو أنها الأصل والأكثر والأعم، فيستجيب لهم المغفلون تحت دعوى الطهر والتقوى وخوف المعصية.
هذه حيلة محكمة، يتم بها إنهاك الدين بسلاح الدين، وضرب المسلمين بالمسلمين، فتكون المصيبة داخلية، ويتحقق ما سماه البعض بنصر بلا حرب وهي خطة لها أسلوبان: سلبية بصرف المسلمين عن الطاعات وخاصة الجهاد في سبيل الله، وفعلية وهي تحقيق الصدام بين المسلمين أنفسهم.
الأسلوب الأعلى يقوم على عزل المجاهدين عن المسلمين، وتنفيرهم عنهم، ليخلوا لهم إقتناصهم وتدميرهم، وهذا الأسلوب له مستويات، وتبدأ المعركة في تحقيق نتائجها حين يقول مسلم أو بعض المسلمين عن المجاهدين: إنهم يؤيدون