ولذلك فمن جهل بعض المسلمين بالحق، وغياب هدايته عن قلوبهم وعقولهم يذهبون إلى الباطل ليأخذوا منه أرجلاً ليقيموا عليها ما يعتقدونه من الحق، ويسمونها حيناً بالوسائل، أو بالمتغيرات، وكل هذا لجهلهم بشمولية الحق وهدايته، ولو استفرغ هؤلاء وسعهم في الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء المرضيين لوجدوا في ذلك الهداية والرشد، ولذلك فإن العلم مستقر أن العلاقة بين الحق والباطل هي علاقة صراع وتدافع، لا كما يريدها البعض اليوم علاقة تآلف وتكالف وتعاون، وهؤلاء حين يأخذون ببعض الباطل إنما يضيعون بمقدار ذلك من الحق، وحين يتخلف الحق تتخلف النصرة والتأييد، وكلما تخلف في باب تخلفت النصرة من هذا الباب وبهذا المقدار.
﴿حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون﴾
كراهية أعداء هذا الدين تتعلق بأمرين؛ وجود الحق وظهوره، وهم يعلمون أن وجود الدعاة والعلماء الربانيين يعني أن يكون للحق رجال يتحقق ظهوره وغلبته، ولذلك فهم يبذلون وسعهم لطمس الحق، ومنع الدعوة إليه، أو تحريفه أو تزييفه، فإن حصل هذا امتنع غلبته وظهوره.
هذا التلازم بين معرفة الحق، وإيمان رجال به ليتحقق الظهور هو قدر مضطرد، والحق قد يكمن لكن لا يموت، وقد يعيش في الهامش لكن لا يغيب، فقد وصف الله الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة لها وجودان؛ واحد في الأرض ثابت لا يزول، وآخر في السماء يمدها بأسباب الحياة والنصر قال تعالى:- ((مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها))، فهذا وصف حقيقتها، وكذلك وصف آثارها في قلوب الرجال، ولذلك من عجائب ما وقع في الأقدار أن إبراهيم عليه السلام أذن في الناس حيث لا ناس في تلك الأرض المباركة، ثم تردد صوت هذا الأذان في قلوب ملايين الخلق بعد هذا الأذان بقرون عديدة كما قال تعالى ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق))، فهذا سر قوة الحق الذي يجهله أهل الباطل، ويجهله بعض من يقول من المسلمين إن الأذان في الناس اليوم لا ينفع ولا يغير الواقع.
لقد كمنت بعض كلمات أهل العلم مئات السنين في الأرض، ثم انبعثت حاضراً كأنها قيلت اليوم، وكأن قائلها يعيش بين الناس ويلقيها بين أظهرهم، فقد قال ابن تيميّة رحمه الله كلماته، ولما مات كان بعض تلاميذه يستر اسم كتابه إن كان لابن تيمية، ثم انبعث ابن تيمية في وقت آخر، وزمن آخر كأنه ولد من جديد، فلا يغرنك كثرة الباطل ولا علوه فإنما هو زبد فارغ وإلى زوال، ولا يحزنك قلة أتباع الحق ومحنة أصحابه فإن لهم الظهور والنصر بإذن الله تعالى.
إضاءة:
لقد ذكر الله فضله على المؤمنين بعدم خروج المنافقين معهم إلى تبوك، وعلل ذلك بقوله ((لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، ولأوضعوا خلالكم يبغونك الفتنة))، وقد ذكر في هذه الآية أنهم ((أنهم ابتغوا الفتنة من قبل)) فباء أمرهم إلى خسران وهزيمة، فهل تغير الحال بين واقع كان لهم فيه إمكانية الفتنة والإيضاع بها، وبين واقع جديد بَطُل سعيهم فيها وخاب في إمكانية اعمالها؟