هذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم إقامة الشأن لصنيعهم، وهي أمر لأمته من بعده، فإن الله تعالى قد ردّ كيدهم سابقاً، ومضى أمر الله إلى مستقره الذي يكرهونه، وسيمضي كذلك ههنا، فهم مقموعون، خائب سعيهم.
هذا صنيعهم في أحد، والخندق والأحزاب، والحديبية، يرجفون، ويسعون طاقتهم للإفساد والخراب، ثم في كل مرة يظهر أمر الله وهم كارهون.
لقد أعملوا كل حيلهم، وجربوا كل ما يوحي لهم شرهم وشياطينهم، لكن الله كان لهم بالمرصاد.
فهاتان خصلتان للشر فيهم:- تاريخ متواصل دؤوب، وفكر ساع غير مقصر، فهما احاطتان: زمنية وذهنية، وهذا أبلغ ما يكون الشر، وهي سمة سيدهم ابليس إذ طلب الإمهال إلى يوم القيامة ((انظرني إلى يوم يبعثون)) وصمم على الإفساد من كل وجه ((ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم)).
وأما ظهور أمر الله فلأن المؤمنين كان فيهم ما يضاد هذين الأمرين؛ فهم في عمل دؤوب لدين الله تعالى، فلا يكون للحظة أو لوقت ثم ينتهي، بل وقفوا أنفسهم لله في كل حياتهم وأوقاتهم، وكل ما يشغلهم ويشغل أذهانهم وعقولهم هو نصرة دين الله تعالى.
هذا صراع دائم متواصل، والهزيمة لمن ترمش عينه أولاً، والنصر لمن يبقى حاضراً، فالشيطان سيبقى دوماً يركب بإرداته على عبيده وأوليائه، والله سبحانه وتعالى ولي دينه لا يتركه قوم حتى يأتي بغيرهم ((إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)).
﴿وقلبوا لك الأمور﴾
يتكلم الناس اليوم عما يسمى بنظرية المؤامرة، وهناك جيش من الخبثاء والزنادقة ويتبعهم بعض أصحاب السذاجة ممن يسميهم الأعداء بالمغفلين النافعين يستهزؤون بهذا التصور، وقد انتشر هذا الإستهزاء من هذا الجيش الخبيث والمغفل ممن يقول إن ما يقع في المسلمين من أحداث هو ضمن خطة مرسومة، ومؤامرة مدبرة يديرها أعداء هذه الأمة فيها، وقد تسرب بعض ما يديره هؤلاء الأعداء لاستغفال الأمة، ومن ضمن هذه الخطط هو نشر ثقافة الاستهزاء ضد القائلين بوجود مؤامرة.
اسقاط وجود مؤامرة ضد هذه الأمة هو محاولة لتبييض صفحة الأعداء، وإظهارهم بمظهر الطيبين، وأن كل علل الأمة إنما هي من داخلها، ومن صنع أيديها، فهي خطة من وجهين:-
أولاهما:- ... تبرئة الأعداء من إجرامهم وخبثهم ومكرهم الليل والنهار ضد الإسلام والمسلمين.
ثانيهما:- نشر ثقافة جلد الأمة وتحقيرها تحت دعوى الإصلاح، ويرتكز هذا الأمر على صور متعددة؛ منها:- وصف هذه الأمة بصفات لازمة، وكأنها موروثات جينية في بنيتها، ولا تنفك عنها، بأنها أمة متخلفة، جاهلة، لا تصلح قط لأي داعية تجديد او تقدم، فهي دوماً أمة ثقافة الموت والخراب والفساد، ولإعمال هذا التفسير يذهبون إلى التاريخ ليشوهوه ويقرؤونه من خلال تعظيم وتكبير أحداث الفتنة، وهذه طريقة بدأت قديماً، ولكنها تستخدم اليوم ضمن الخطة الكاملة هذه.