سيذهب المخالفون دوماً إلى تعقيد القضية، كما هو الشأن في كل مراحل الصراع بين الحق والباطل، وسيزعمون أن قضية الجهاد قضية خاصة في الفقه والفهم، ولا يدركها إلا خواص الفقهاء، سعياً منهم في إضفاء صبغة خاصة على المثبطين والمخذلين من المفتين والوعاظ والمفكرين، ولكشف هذه الحيل يكون بإعادة خطاب القرآن الواضح الصريح، وبيان فساد حال وسلوك المخالفين، وتناقض أقوالهم، لأن عامة ما يقولونه إنما هو مجرد كلام فارغ لا حقيقة له، وهم قلما يحتجون بالكتاب والسنة، إنما نراهم يخرجون الفتاوى السريعة دون أدلة، ويكتشف المجاهدون جهل هذه الفتاوى حين يستخدمون الأدلة الشرعية من كتاب وسنة، ولذلك فعامة ما يقولونه هو كلام عام من الكلام على المصلحة، واستنفار الخوف من الضرر وذهاب الدين عند المخالفة.
لا يعني هذا أن ينتهي أثر هؤلاء، لكن لابدّ من التخفيف من آثارهم، والإنسان لا يمكن ضبط قوله وفعله فيه، ففي زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من كان كاتباً للقرآن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه من محن الإيمان التي لابدّ من وجودها كما قال تعالى ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً))، فلذلك صدق من قال من أهل العلم:- إن وجود الأعداء للأنبياء وأتباعهم هو من نصرة الله تعالى لهم، واحتجوا بهذه الآية، وقد صدق عمار بن ياسر رضي الله عنه حين كان يقول عن أمنا عائشة رضي الله عنها:- والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها.
﴿وفيكم سماعون لهم﴾
إن من وضحت له الحجة، وأنار الله قلبه لطريق الحق لا ينبغي له أن يضيع زمانه منشغلاً بأهل الجبن والبخل، ليرد عليهم حججهم النفسية، فإن هذا النوع من الشبه لا ينتهي أبداً، فمن الحكمة الإعراض عنهم، والإقبال على ما فيه خير للمرء، ولدين الله تعالى، وإن من أعظم الإغاظة لهؤلاء هو الإعراض عنهم، وستأتي آيات عظيمة تحض المؤمنين على هذا الأمر، وهو عدم إعذار المخذلين وعدم الإستماع لهم.
هذا أحد وجهي التفسير في قوله ((وفيكم سماعون لهم)) أي يتأثرون من أقوالهم، والوجه الآخر من التفسير:- إن هؤلاء يسمعون حديث المؤمنين فينقلونه إلى المنافقين من أهل التثبيط والتخذيل، أي أنهم عيون وجواسيس عليكم لهم، ورجح ابن جرير هذا القول، وأما ابن كثير فقد رجح الأول.
﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون﴾
هذا ديدنهم، وتلك خصلتهم، فليس هذا الموقف اليوم في التحضير لتبوك بأمر غريب عليهم، والمرء لا يكون أبداً ابن لحظته، بل هو تاريخ، واللحظة ليست صناعة وقتها، بل هي صناعة ممتدة مع كل أحداث الماضي؛ كقطرات الماء تتجمع لتشكل حدثاً يبدو للبعض مفاجئاً وليس كذلك، فكل لحظة من الحاضر هي صناعة الماضي، وهي بنفسها تصنع الغد وأحداثه، فهؤلاء المنافقون هذا تاريخهم وتلك صناعتهم، لكنها إلى خسارة ومحق.