تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي جهاد في سبيل الله حتى لو كان مقبولاً من جهة حق الشعوب والأمم، مع خطاب المسلمين والمشايخ ضد جهاد المؤمنين ضد أعداء الله والمرتدين، فالمنطلقات واحدة، وتجييش المخالفين للجهاد يدور حول ضياع مصالح أهل الدنيا، أو بحرف الأبصار إلى المشقات دون العواقب، أو بقصر الأفكار على عاجل الأمور دون آجلها، وكلها من الجهل والهوى كما قال تعالى: إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس.

المجاهدون لا يملكون قوة تحصين كل أفرادهم، كما لا يمكن أن يكون كل اللاحقين بالجهاد على درجة عالية من رد الشبهات والحصانة من الشهوات، ولذلك فالطريقة الأقوم هو العزل، وفي زماننا هذا لا يمكن تحقيق العزل الذي كان يمكن تحقيقه قديماً، أي إبعاد المفسدين من الصف، فإن وسائل الإعلام اليوم وانتشارها تمنع تحقيق هذا النوع من العزل، لكن يمكن تحقيق نوع مهم من العزل، وهو منع الحاق صفات التعديل في من يحس منه أهل الشأن ضعفاً في علمه أو إرادته، فإن المرء مخبوء تحت لسانه، والتجارب تكشف مستويات الخلق فيجب رصد ذلك كله، وخاصة أصحاب اللسان والفكر والتقدمة، ولو تأملنا تاريخ هذه الأمة وما كتب عن رجالها في فروع العلم لرأينا شيئاً رائعاً في هذا الباب، وهو باب الرصد والمتابعة، فعلم الحديث مثلاً، وهو أجل ما يمكن الاستشهاد به، لأن شأن الرواة مهم في قبول حديث النبي صلى الله عليه وسلم ورده، فعلماء الجرح والتعديل يتابعون كل رواية يرويها المحدث، ويقيمون سلوكه ودينه واتجاهه العلمي وحياته ورحلاته وشيوخه وتلاميذه، وكأننا أمام دائرة تنقيب ومتابعة وتحليل، وأهل الجهاد اليوم يجب عليهم رصد المميزين في أبواب الحياة، وليس هذا من الغيبة، ولا من التجسس، فكل هذه التهم قد ردّها الاوائل عن هذا العلم لما في ذلك من مصلحة تعود على دين الله تعالى، وحين يُرى في المرء ما يشي بالضعف فيجب التحرز من تعديله على وجه يكون مقبولاً مرضياً عند الناس، لأن انقلاب هؤلاء لو وقع يكون له التأثير الشديد على الجهاد وأهله، فهذا عزل مهم لتحقيق المنعة في المجاهدين.

وهناك عزل آخر يتعلق بتقوية الموانع في داخل الصف المجاهد، وأفسد الموانع وأقبحها هو الجهل، لأن بعض العاملين في التنظيمات والتجمعات يرغب ويحبذ في الأتباع صفة التقليد، لأن التقليد يحجر على عقولهم من أن يستمعوا لغير قادتهم، وهذه الخصلة هي الغالبة اليوم على عموم الأتباع في هذه التجمعات، والتحصين الحقيقي يكون بالعلم، لأنه هو القادر أن يمدد الشبه التي يثيرها المثبطون والمخذلون، ومن أهم العلوم هو ربط المجاهد بالكتاب والسنة وفقه الثقات من السابقين، ودوام كشف المخالفين لهما من مدّعي فقه وعلم ونظر، وذلك ببيان أصول هؤلاء المخالفين وقواعدهم ليعرف المجاهد قواعد الإنحراف التي تأتي بهذه الأقوال.

هذه المسألة فيها بعض الصعوبة، وهي رفع مستوى العلم الشرعي في أغلب المجاهدين، خاصة حين يتحول الجهاد إلى حالة جماعية في مكان تتحقق فيه الظروف السننة لذلك، وخاصة أن الكثير من الشبه تلتف على الحقائق الشرعية بمكر وخديعة، لا يدركها إلا الخاصة، ولتحقيق الحصانة لابدّ من إعادة قواعد القرآن الجلية في كشف المخالفين والمعاندين، لأن عرض أقوال هؤلاء وكذلك أحوالهم على واقع الناس زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يقص ذلك كتاب الله يكشف الأمر بجلاء ووضوح.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٥٣