تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا يسمي الله تعالى ترك النفير، أو النكوص عنه، أو عدم مواصلة المسير إلى نهاية الهدف فتنة، أي فساد وضرر، وهو انحراف عن جادة الحق، وحصول فساد بين المؤمنين.

والإيضاع هو الفعل السريع، فهم يتخللون المؤمنين، مسرعين في سيرهم، يطيرون هنا وهناك، ويلاحقون الناس في مجالسهم، وتجمعاتهم يريدون نكوص المجاهدين إلى ديارهم، وترك المسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو دفع هذا لكان نتيجة ذلك المعصية ثم الرد على رسول الله وهذا هو الكفر، لأن المعاصي بريد الشرك والكفر، والفتنة في القرآن هي الشرك في مواطن كقوله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، وهي المعاصي كذلك.

وهذان الوصفان:- ((ما زادوكم إلا خبالاً، ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة)) هما وصف لأثر المنافقين على المجاهدين، فأولاهما تتعلق بالإرهاق، والثانية تتعلق بالإنحراف، وهكذا الشر إما عجز وكسل عن الفعل الإيماني، وإما عمل ولكنه بانحراف عن الحق، وكلاهما ضلال، والصحيح هو العمل الإيماني، وحين يخلو المرء منه بأنه لابدّ أن يأتي بالباطل لزوماً، لأن الفراغ ممنوع، ولذلك فكسل أهل الحق أو عجزهم شر يقوي أهل الباطل، وأكثر منه شراً هو العمل بالباطل والإنحراف عن الحق.

وفعلهم هذا قد يكون لكثرة شكواهم من الصعاب دون قصد منهم بحرف المجاهدين عن مواصلة الطريق، وإن كان في فعلهم هذا تحقيق للحرف والإفساد، وقد يكون مبعثهم ردّ المؤمنين ليحصل التساوي في الشر، فلا يعاب عليهم ما لو انفردوا هم بالقعود والجبن وعدم النفير، وكلاهما في الشر سواء.

بهذه الآية احتج أهل العلم بوجوب منع المخذلين والمثبطين من الخروج إلى الجهاد مع أهله، لما في خروجهم من الضرر العظيم عليهم وعلى جهادهم، وهي دليل كذلك على وجوب عزل أصحاب الريب والإنحراف والأهواء من المجتمعات المؤمنة لنفس الحكمة والقصد.

﴿وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين﴾

في هذه دليل على عدم جواز الإستماع إلى هذا النوع من الخطاب، أي خطاب التخذيل عن الجهاد، وإن كان الأمر بعدم سماعه فكيف بقبوله وتحسينه؟!

هؤلاء يملكون المبررات لصرف الناس عن الجهاد، فهم يضخمون الآثار والإبتلاءات، ويجعلونها الأصل والأظهر، ويخفون الحسنات خاصة أن حسنات الجهاد في بدايته لا تكون ظاهرة كما في نهايته، فيستمع لهم أصحاب النظر السريع والقاصر، ويجدون في كلامهم- بعض المنطق كما يقولون- فيميلون لهم، ويصيرون لهم جنداً وأبواقاً، وهم في خطابهم يدغدغون شهوات الناس، ومصالحهم الدنيوية فيبرزون لهؤلاء نتائج الجهاد على هذه المحبوبات والرغبات، فيلتقي الخطاب الجاهل السطحي مع الشهوة الكامنة الخفية ليتموا أمام الجهاد ومواجهته.

لو تأمل المؤمن العاقل في أيامنا هذه ورأى أدلة خطاب هذا النوع من المنافقين والمرضى لرأى هذا جلياً فيهم، إذ أنهم لا يدندنون إلا على ما يأتي به الجهاد من البلاء والشهادة والسجن، وهو خطاب يلتقي فيه أعداء الإسلام من الزنادقة ضد

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٥٢