تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون}

لقد كان صرف الله للمنافقين عن الخروج وتثبيطهم لشر نفوسهم، لأنهم لا يليق بهم العمل في الصالحات، فبينهم وبين الحق نفرة، كما بين الخبيث والطيب، فهذا أمر أول يتعلق باختلاف الأمرين في ذات الأمر، ثم في هذه الآية ((لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين، لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون)) بيان فضل الله على المؤمنين في هذا الصرف، وهذه طريقة القرآن الكريم في بيان حكمة التشريع والتكوين، وهي مجموعة في آية المداينة في سورة البقرة حين ذكر حكمة الإشهاد على الدين فقال سبحانه:- ((ذلك أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأدنى أن لا ترتابوا))، فالحكمة الأولى تتعلق بحكم الله فيه، وأنه محبوب عنده، والحكمة الثانية تتعلق بحقيقة الأمر في نفسه وأنه حق، والحكمة الثالثة تتعلق بأثر هذا الأمر في الخلق، فالأمران الأولان حق مطلق، ومحبوبان عند الله، وأما الثالث فلتعلقه بفعل الإنسان كان نسبياً فقال: ((وأدنى أن لا ترتابوا)) وهو واقع الأحكام في نفوس الناس وحياتهم، وهو واقع أفعال الإنسان الصالح كذلك، إذ العبرة بالغلبة، ولا شيء مطلق في هذا حين يصير الحكم إلى فعل الإنسان.

المؤمنون المجاهدون يحبون التحاق الناس بهم لتكثير السواد، ولحصول الإطمئنان بكثرة الرفقاء والأصحاب، والقرآن يرشدهم إلى وجه آخر من عطب هذا السواد والكثير، وإلى أمراضه التي تكتنفه إن لم يكن سليماً معافى، فليس العبرة بالكثرة، إنما العبرة بالنوع، وخاصة حين تكون الرحلة شاقة ومتعبة، فأنت بحاجة للصبور المثابر، ولا ينفعك إلا من حمل عنك الهموم، وأذهب عنك الكسل، وقوّى عزائمك، ولذلك كان إخراج الخبث من الجموع نعمة ربانية لأن الناس النافرين من المؤمنين ليسوا طبقة واحدة، فمنهم من لا تهزه كل كلمات الباطل، ولا يرده عن دينه وأمر الله أحد، وهو سائر مع الحق حتى لو كان وحده، ومنهم أبو ذر رضي الله عنه الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:- "يعيش وحيداً، ويبعث يوم القيامة وحيداً"، وهي سمة كل الأنبياء، ولذلك قال الله عن ابراهيم:- "إن ابراهيم كان أمة"، وقصته قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن في المؤمنين المجاهدين من ليسوا كذلك، بل ربما ألقوا بسمعهم إلى المثبطين فضعفوا وصاروا إلى القعود، ولو خلا هؤلاء إلى المؤمنين الصابرين لقويت نفوسهم معهم إلى الطاعة دون تردد أو كسل، فلنعمة الله على المؤمنين صرف هذا النوع عن الخروج والنفير.

﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً﴾

هذه رحلة طويلة، قل فيه الرحال والطعام، وفقد الجيش فيها الماء في بعض مراحلها، وهذا كله ضعف سيعانيه الجيش، وهي معاناة المحيط الخارجي والظرف والبيئة والمسافة، ومثل هؤلاء لا ينقصهم أن يأتي أحد ليزيدهم ضعفاً في نفوسهم وقلوبهم، ولا أن يزيدهم إرهاقاً بكثرة الشكوى والأنين، ولا بادعاء الخير كذباً بكثرة "لو"، فإن حصل ووجد هؤلاء فإن وجودهم سيحصل كل هذه الغمرات أشد وأقسى، وسيكون حالهم ثقالاً جديدة، ومشقة زائدة، والمرء قد يحتمل ألم البدن ومشقات الطريق، لكن لا يحتمل كثرة الأنين والصراخ والشكوى.

﴿ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٥١