والإدراك، وصلابة اتباع الحق دون تأثر بالجموع، مع استعداد لتحمل تبعات هذا التفرد والتميز والمخالفة، ولذلك فقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم:" بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ" مع ما فيه من معاني الإبتلاء للسابقين الذين وصفهم الله بقوله ((ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين)) وهم خلاف أهل اليمين الذين قال الله فيهم ((ثلة من الأولين وثلة من الآخرين))، إلا أن الحديث فيه كذلك بشرى لهؤلاء الغرباء بذهاب غربتهم كما ذهبت الغربة الأولى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعلى المرء أن لا يستعجل لأن أعظم ما يصيب العالمين هو دعاء الإستعجال المميت، فإن دعاء إبراهيم واسماعيل عليهما السلام: ((ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم)) مضت عليه قرون حتى وقع، إذ ذهبت النبوة الكثيرة في فرع اسحق عليه السلام، وغابت النبوة عن نسل اسماعيل قروناً مدخرة، حتى كانت للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، ونبوته أعظم النبوات في تاريخ العالم إلى يوم فنائه.
وقد كان من طبّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه في مكة أن يعالج هذا المرض كما في حديث خباب رضي الله عنه: ((والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الضغينة من صنعاء إلى حضرموت لاتخاف إلا الله والذئب على غنمها، ولكنكم تستعجلون))
التحاق الجموع مسألة سهلة، لأنه أمر يتعلق بتهيئة الظرف والحال ووجود القدرة والقوة اللازمتين للاستقطاب أكثر من قوة الخطاب، ووضوح الحجة، ولذلك هم مغيبون في القرآن حال الصراع بين الأنبياء وأعدائهم، فإن الأعداء هم الملأ دوماً، ولما جمع الناس يوم المناظرة بين موسى عليه السلام والسحرة قال فرعون وملؤه:- ((وقيل للناس هل أنتم مجتمعون، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين))، ثم أسلم السحرة، لم يذكر القرآن شيئاً من أمر هذه الجموع، لأنهم في الحقيقة كذلك، أي لا شيء في مسائل الإختيار الذي فيه الثمن، وفيه قوة الإدراك والفقه، فلا يحزن كثيراً على ذهابهم إلا بمقدار حزننا أننا لا نملك التمكين الذي يهيئ لهم اللحوق بنا، لكن هذا لا يعني قط أن الجموع رقم وهمي، فإن الله سمى إسلامهم فتحاً ونصراً كما في سورة النصر ((إذا جاء نصر الله والفتح)) لأن هذه الجموع حين تكون مع الحق، فإن أهل الحق يسيرون بهم إلى مقاصد الإسلام وتحقيق العبودية، وكما أن للغربة ضريبة، فكذلك للتمكين والتحاق الجموع ضريبة، والمسلم دوماً في ابتلاء.
﴿وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾
كفى بالقعود ذماً أن يقول الله عنه هذا الأمر، وكفى بأهله خسة أن يذمهم الله بهذه المقالة، إذ جعل الله مقام القعود هو أشد العقاب الذي يوبق فيه هؤلاء، لأن القعود ذم في الرجولة، وذم في الدين، وذم في الأخلاق، ولو أدرك هؤلاء خسة هذا المقام ما قبلوا في الدخول فيه، ولبكوا أمام مولاهم بأن يحميهم منه ومن الوقوع فيه، ولكن كما قيل: ما لجرح بميت إيلام.
لقد نسب الكره سبحانه لنفسه فقال:- كره الله انبعاثهم، وقال:- فثبطهم، وقد تنزه سبحانه وتعالى أن يقول: وقال لهم اقعدوا مع القاعدين، بل قال:" وقيل اقعدوا مع القاعدين"، لأن مقامهم لا يستحق خطاب الله لهم.
{لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين،