ولذلك فإن طرد الله لعبد من عباده من الطاعة إنما يكون لشر فيه، بل لو أقام هذا المرء في طاعة لما أتى منه إلا الشر كما قال تعالى ((ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)).
فهؤلاء كره الله انبعاثهم، لما في قلوبهم من الشر، ولما في خروجهم من الأذى والثقل على المجاهدين معهم، فرحم الله المجاهدين بأن صرفهم عن الجهاد، ولذلك فعلى أهل الجهاد أن لا يتألموا كثيراً من إعراض البعض عنهم، ومن بداية الطريق، لأن هؤلاء لو خرجوا في أهل الجهاد لكانوا شراً عليهم، فهم كالدواب الكسيحة، والتي لا تسير إلا بجر ودفع، وبعضهم يحمي الله المجاهدين منهم لما يعلم الله من قلوبهم من قلة الصبر وضعف اليقين، فإنه قد يسير معك ذراعاً ثم يجري به مرضه إلى النكوص والردة فيكون انقلابه شراً أكثر من شره لو أعرض من بداية المسير والطريق، ولذلك ليدرك أهل الجهاد دوماً رعاية الله لدينه، وتدبيره للجهاد وأهله، فإنه لا يقع لهم أمر إلا وفيه الحكمة لهم، والخير لهذا السبيل، لأنه سبيل الله تعالى لا سبيلهم، فليست كل كثرة ممدوحة إلا إذا كانت على خير وثبات وصبر ويقين.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بعض المسلمين في مكة من غير أهلها أن يرجعوا إلى أهليهم حتى يظهره الله، كما تقدم من حديث أبي ذر رضي الله عنه لما أسلم، وحصل هذا مع غيره، وهذا فيه فقه لأهل الدعوة وهذا الطريق أن بعض الظروف، وبعض الساحات لا تحتمل الكثير من الأتباع على نحو معين، ومثل هذه أمره صلى الله عليه وسلم لمن قدر من أصحابه أن يهاجر إلى الحبشة لشدة ما كانوا يلقون من قومهم من العذاب، فمكة مكان ضيق، ومرهق للقائد إن كثر فيه الأتباع على نحو معين، فإن الصحابة رضي الله عنهم يومذاك ضعفاء، وأكثرهم من الفقراء الذين لا يجدون من يدافع عنهم، ولم يكن بوسع الحبيب المصطفى أن يمنعهم من قريش، بخلاف الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان من يحميه في قومه، فحب الدعاة والمجاهدين أن يلحق بهم الكثير حب مشروع ومرضي عنه عند الله تعالى، لكن الله سبحانه وتعالى يعلم حال الدعاة والمجاهدين أن لو لحق بهم الناس في وقت على وجه ما فإنهم لا يقدرون استيعابهم ولا إدارتهم، فليثقوا بتدبير الله لهم، ولا يقولون أبداً أن هذا الحال هو شر لهم، أو لشر فيهم، بل هو الخير لهم، فإن النمو السليم هو النمو المكافئ للحال والزمن، فإن تعدى ذلك صار نمواً مرضياً سرطانياً لا يلبث أن يعود بالفساد على صاحبه.
لقد دخل الناس في دين الله تعالى أفواجاً بعد فتح مكة، وما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال الله تعالى:- "إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً"، وهذا لم يقع حتى كان في المسلمين سعة لهذا الفتح، ولذلك لما ارتدت هذه الجموع كان عند المسلمين القدرة على جهادهم وردهم إلى دين الله تعالى، ثم انطلق بهم الخلفاء إلى الجهاد خارج الجزيرة العربية، فالكثرة دفق سريع مفاجئ، ولا يكون صحيحاً إلا بوجود السعة له، وإمكانية الحفاظ عليه، فإن ثلاثة عشر عاماً في مكة لم يسلم إلا أقل من مائة إنسان، ثم في سنة واحدة دخل أهل المدينة في الإسلام إلا القليل منها، وبدأ العدد يزداد حين كانت القبائل والوفود بأجمعها تدخل في دين الله تعالى، وهذا نراه في كل سنن البناء التكويني، كالغيث يبدأ بقطر قليل ثم يتدافع، وكذلك الإنسان ربما احتاج إلى ثلاث سنوات حتى يمشي على رجليه، وربما ذهب ربع عمره قبل أن يبلغ مرحلة التكليف، فالبدايات لها خصوصيتها من المعاناة وبطأ البناء ثم يتم الصعود بدفق وقوة، فلا ينبغي على المرء أن يتعجل من إقبال الجموع، لأن لهذه الجموع سنناً خاصة، منها نظام القطيع، أي المتابعة للآخرين دون وعي خاص، أما السابقون فهؤلاء هم القواعد الأولى التي تحمل عمق الوعي