الجيوش في المعارك الكبرى، بل ربما تصل إلى الكثير من أهدافك وتحقق الكثير من الخطوات دون أن يعترف بك الخصم منتصراً، بل ربما لا يعترف بك ضعاف النفوس من المسلمين أنك تحقق نصراً.
﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾
إن هذه الآية وما كان في معناها لتجعل أهل الدين والتقوى في خوف دائم من عقوبة الطرد والإبعاد، ذلك بأن البعض يظن أنه هو الذي يعرض عن الدين، وهو الذي يستعلي عليه، وحقيقة الأمر أنهم هم المطرودون، وأن الله عز وجل سبحانه وتعالى هو لم يرضى بهم عبيداً له فأبعدهم وأخزاهم، لأنهم أهل نجاسة ورجس، وأهل قذارة وخبث، فلا يستحقون الوقوف في صف العبودية لله تعالى، وهذا والله لو تأمله أهل القلوب السليمة لبكوا من هذا الحال، وهو كذلك عند المؤمنين المتقين، فإن أخشى ما يقع في قلوبهم أن يطردوا عن بابه، ولذلك فإن من أوائل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم من كلمات يناجي بها ربه:- ((إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، لك العتبى حتى ترضى))، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال لأهل الفن، إلا أنه يصلح شعاراً لأهل التعبد والخشية والتقوى، وصحة معناه لا يشك بها مسلم، ولذلك فإنك حين ترى أنك غير مقبل على الطاعات، وترى عدم إقبال قلبك على الله فابك بين يدي مولاك الرحيم بأن لا يطردك عن بابه، وأن لا يردك عن عبادته، فإن المرء حين لا يقوم الليل فلشر في نفسه حرمه الله من أن يقف بين يديه، وحين لا يتصدق فلكراهية الله لماله صرفه عن الإنفاق والصدقة، وحين لا يقرأ القرآن فلبغض الله له أن تجري كلمات الله على لسانه، وهكذا كل الطاعات، فعلى المرء أن يتوب ويستغفر ليفتح الله له باب القبول والرضى، وإلا فهو محروم، ولذلك كان يخاف الصالحون المعاصي، لأنهم يعلمون أنها تمنعهم من الطاعات، وتحجب عنهم تحقيق العبادة، لعلمهم أن طاعة المرء لربه كرامة من الله تعالى له، وقد أوفى على الجادة الإمام الشافعي الذي جعل حمده لله توفيقاً وإكراماً يستلزم حمد الله على هذا الحمد كما قال في مقدمة كتابه الرسالة، فرضي الله عنه وأرضاه ما أحكمه وما أتقاه لربه وهو يقول:- والحمد لله الذي لا يؤدّي شُكر نعمةٍ من نعمه إلا بنعمةٍ منه، توجب على مؤدّي ماضي نعمه بأدائها: نعمة حادثة يجب عليه شكره بها.
إن الله هو الغني الحميد، فهو لا يطلب عبادة الخلق له لحاجتهم لهم، ولا لأن معصيتهم له تضره في شيء سبحانه وتعالى، بل هو غني عن عبادة العباد، ولا تضره معصية العاصين، وفي الحديث القدسي:- ((لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملك الله شيئاً))، وهذا مصداق قوله تعالى ((إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر، وإن تشكروا يرضه لكم)) وقوله تعالى ((وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد)).
وقوله تعالى ((غني حميد)) أي أنه مع غناه عن طاعة الطائعين إلا أنه سبحانه وتعالى يحمد من أطاعه ويحبه ويجزيه بأحسن ما كان يعمل، وهذا من تمام المدح والثناء.
ولكن ليعلم أن عدل الله شامل لكل أقواله وأفعاله سبحانه وتعالى كما قال تعالى ((إن ربي على صراط مستقيم))، بل ورحمته مقدمة على عدله كما في الحديث:-" إن رحمتي سبقت غضبي"، وغضب الله جل في علاه لا يكون إلا عدلاً،