تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صار الحديث فيه نهباً لكل أحد، ويتكلم فيه كل زاعم، ولذلك لا تجد أثراً لحديثهم في تغيير الأمة، وحين يرفع صادق فيها راية الجهاد تجد له القبول والرضى والحب، فيقف قطاع الطريق أمامه من محبي الدنيا وحملة الشعارات الدينية المدفوعة الثمن والأجرة من مفتين وخطباء ليصدوا الناس عن هذا السبيل، وأما غير ذلك من السبل فهي لا تجد عداءً ولا معارضة، لأن الشيطان يتركها لنفسها إذ أن بطلانها في داخلها كفيل بذهابها وسقوطها وذهاب أثرها في حياة المسلمين.

إن دعوى الإعداد لا تصلح في دين الله تعالى حجة لترك الجهاد، لأن الإعداد عند هؤلاء المتلعبين كحال من لا يريد أن يصلي مع المسلمين جماعة فأكل الثوم والبصل غير نضيجين ليعمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقرب مسجدنا))، ذلك لأن الإعداد في حقيقته جهاد، وليس أمراً منفصلاً عنه، بل إن الإعداد الحقيقي لا يكون إلا بممارسة الجهاد فعلاً وعملاً.

ومما يؤيد المعنى الثاني للإعداد ((هو النفير بما عندهم من الوسع والقدرة)) هو قوله تعالى ((ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين)) فقد جعل الله قعودهم عن الذهاب إلى أموالهم لجعلها محفزة للنفير كما يفعل المؤمنون هو من تثبيطه لهم، لكراهته لهم أن ينفروا.

وأما على المعنى الأول؛ وهو أن هؤلاء لم يروا الجهاد أصلاً، بل عزموا قبل الأمر بالنفير أن لا يكونوا من أهله فلم يعدوا له عدته، فيكون معنى قوله ((ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم)) أي ثبطهم عن الإعداد لما كان هذا في قلوبهم أولاً لكراهة الله لهم أن ينفروا حين يكون الأمر به.

وهذا يدل على أن الإعداد يكون على وجهين، أحدهما أن يبذل المرء وسعه في أن يكون من أهل الجهاد، بدناً وقوة وعلماً، حتى في زمن الوسع وعدم مباشرة النفير، وثانيهما:- أن يُعمل المرء ما عنده وعلى ما هو عليه من القوة المباشرة للجهاد والنفير، وبهذا يكون المرء في جهاد، ولا يسعه أن يحتج بعدم الجهاد بعدم القدرة، والذين يعلمون طرق القتال يدركون أن أقل الوسائل التي يحوزها الناس يمكن أن يجاهدوا بها، فإرهاق الخصم وإعاقته، وإكثار العطوب فيه، واستنزاف قوته يكون بأقل القليل التي يمكن للأمم استخدامها، وهذه ليست مما يستهين بها العقلاء، إنما يستهين بها الجهلة الذين تخدعهم الصور الكبيرة، والأصوات الضخمة، إذ لا يتصورون جهاداً إلا بما يحقق لهم هذا الوهم ولن يكون.

حين يقرأ المرء تاريخ هذه الأمة، ويرى ما وصلت إليه، وما وصل إليه أعداؤها يدرك أن سبب هذا هو غياب هذا الأمر الإلهي، فلو أن هذه الأمة قامت بأمر الإعداد، ولم تقصر فيه لبقيت مهابة الجانب، ولن تسبق في شأن من شؤون الحياة، ولكانت دوماً تحقق أهدافها ومرتبتها في الوجود، لكن ركون الأمة للراحة، وإقبال أعداؤها على بناء قوتهم العسكرية، ثم استخدامها فينا جعل أرضنا وثرواتها نهباً لهم، ثم كان السقوط وتحول السقوط سبباً في لحوق الكثير من طوائف الأمة بدين أعداء أمتهم لما فقدوا الثقة بدينهم فآل بنا الحال إلى ما نرى، ولذلك فإن الإعداد يكون ببناء الأمة في نفسها وقدراتها، وتعليمها وسائل القتال وإنهاك العدو، لأن هذا النوع من الجهاد هو ما نحتاجه اليوم من أجل إدامة هزيمة الأعداء، وتصاعد خط بناء الأمة، وهذا جهاد له خصوصية الصبر والمثابرة، لأن آثاره لا تتحقق بصورة ظاهرة كهزيمة

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٤٧