حقاً في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينشأ جهاده في فراغ من المواجهة المتواصلة مع أعدائه، وهذا شأن كل الأمم الحية والتي لها سمة الغزو والقتال، وهي سمة هذه الأمة إن كانت في مقام الخيرية، ولذلك فهي تجاهد وفي جهادها إعداد، وفي إعدادها تقدم نحو الأهداف، وهذا الواقع بفضل الله تعالى، فإن الجهاد لم يبلغ اليوم هذه القوة، ولم يصل تأثيره في حياة العالم فجأة، ولا من فراغ، بل هذه الحلقة من حلقات الطائفة المنصورة كانت تسير وتتهادى من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى مرحلة حتى صارت هي الوارثة الوحيدة في صد طغيان فرعون وجنوده، وهي التي تعمل عملها في ابطال مقاصده في العالم أجمع، وغيرها تبع لها، بل لم يقو غيرها حتى أثبتت هذه الطائفة بإيمانها أنها قادرة على إهانة فرعون والدوس على كبريائه وغروره.
﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾
ولو أرادوا الجهاد لهاجروا.
ولو أرادوا الجهاد لبذلوا أموالهم وأنفسهم وأوقاتهم في الوصول إلى مواطنه.
ولو أرادوا الجهاد لعبؤوا نفوس الأمة بحبه والشوق إليه والرغبة فيه.
ولو أرادوا الجهاد لحرموا على الأمة أن تلغ في شهواتها التي تعطل حياته.
ولو أرادوا الجهاد لأفتوا بوجوب قتال من يمنعه ويمنع الأمة من ممارسته.
ولو أرادوا الجهاد لعلّموا الأمة أن أهداف الإسام لا تكون إلا به.
لقد أكذب الله من زعم حب الجهاد وإرادته وهو سائر في طريق الإهانة والتخاذل والقعود، لأن الجهاد ليس كلمات تقال، والإيمان بآياته ليس ألفاظاً يتغنى بها، بل الجهاد فعل وحركة وحياة، وجهاد ونفير وإعداد.
في هذه الآية ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)) إظهار نفاق المعرضين عن الإعداد لعدم الخروج فماذا يقال لمن ترك الجهاد (على المعنى الثاني من الإعداد كما تقدم في معنى الآية) وقد نفر الأعداء إلى بيته وأرضه وأهله؟ وماذا يقال للمفتين الذين يمنعون أهل الإسلام من النفير لرد المشركين عن بلاد المسلمين وأعراضهم؟!
هل يقال عن هؤلاء إنهم جهلة بكتاب الله؟ أم أنهم يعلمون حكم الله تعالى لكنهم ((يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون))
إن بوسع كل أمة أن تجد من الأدوات والقدرة الأولية لتشرع في جهادها ومنذ اللحظة الأولى، فهناك تجارب إنسانية لا يصل ما عندهم من العلم والهدى إلى عشر معشار ما عند المسلمين من كتاب وسنة وبدؤوا قتالهم بأدوات يسيرة أمام قوى ضخمة وعاتية، ثم من خلال مسيرتهم هذا تحقق لهم التوازن ثم الغلبة على أعدائهم، وهذا يفهمه كل من يتكلم في هذا الباب، لكن حين يتكلم في هذا الفن من لم يكن من أهله فإنه يأتي بالعجائب كما قال ابن حجر:- من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، والعجيب أن أمر إحياء هذه الأمة، والسير فيها إلى أهدافها، والعمل من أجل اعادتها إلى مرتبة الخيرية