تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

توصلاً لعدم الجهاد الذي تعيّن في زماننا، وهناك آخرون يقولون بوجوب الإعداد قبل الجهاد، ويجعلونه شرطاً على معنى وهي لا يكون، ومن ذلك أن يكون عندهم القدرة كما عند أعداء المسلمين، والقول بهذا الشرط يقصد منه التخذيل والتثبيط، واستحالة الجهاد، وهذا مقصدهم، وهؤلاء جهلة بسنن التاريخ وطرق إحياء الأمم، فإنه لا يوجد قط في تاريخ البشرية من تحصل له القوة الكاملة والمعادلة لقوة عدوه خارج دائرة صراعه مع أعدائه، بل إن الأمم تقوم وتحيا وتقوى من خلال مراحل الصراع، وتترقى قوتها وهي في مسيرها إلى أهدافها، ومن عجائب هؤلاء جهلهم بطرق إحياء الأمم، وخلو عقولهم من قراءة التاريخ، حتى إنهم يجهلون جهلاً حقيقياً بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد غلب على أذهان قراء السيرة في زماننا تفسيراً معيّناً للسيرة، تجد الكل يسير فيه حسب رؤاه وزعمه، فلا يفهمون إلا كلمة الدعوة، والفترة السرية، ثم الفترة العلنية ثم الهجرة، دون أن يفهموا طرق بناء الأمة وتصاعدها لتحقيق أهدافها، ودون الوعي على البناء الداخلي الذي كان يصنعه رسول الله في أصحابه، ولا ينظر هؤلاء إلى الأحداث إلا على معنى منفصل كما يقرؤون الأحاديث النبوية في كتب السنة، ولا يعرفون التاريخ إلا ما كان له تعلق بالناسخ والمنسوخ، ولذلك فكون الرجل عالماً بالحديث لا يعني أن له الحق أن يتكلم في التاريخ الإسلامي، ولا في السيرة النبوية وفقهها، ولا في طريق النبي في بناء الأمة الإسلامية ومراحل ذلك، ولذلك فالحق أن ما يكتب في فقه السيرة واستخدامها في معرفة بناء الأمة وإعادتها، وكيفية إخراجها من هذه المرحلة التي تعيشها، وهي مرحلة غياب الفاعلية، إلى مرحلة الحضور والشهادة والوراثة لا يكاد يذكر، وذلك لأن المعاصرين أغلبهم يقلد قراءة الأوائل للسيرة، فقراءة الأوائل هي قراءة لحل مشكلاتهم المعاصرة، وهي إجابة السيرة على مشكلاتهم الفقهية في جهادهم، وهي قراءة فقهية كما هو صنيع الإمام ابن القيم في زاد المعاد، أو قراءة السرخسي للسير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، فيأتي المعاصرون على طرق هؤلاء فيسيرون عليها، ولذلك ظن البعض أن فقه السيرة فقه مبتدع لاستغناء المسلمين بالفقه على المعنى الإصطلاحي عن هذا الفقه، وهذا جهل آخر، فإن فقه الأحكام ليس هو كل الفقه الإسلامي، ولا هو أعظم ما في القرآن والسنة، بل إن من أعظم الفقه هو فقه التاريخ، وهو فقه الإنسان وحقيقته، سواء كان بمفرده أو بمجموعه في أمم وشعوب وممالك وملأ وقادة وأتباع، ولا أدري كيف يزعم البعض أنه يسلك سلك التجديد في هذه الأمة ثم هو يقف على هذا التجديد على اجتهاد الأولين من الفقهاء والعلماء في تصنيف العلوم، وفي مباحثهم للمسائل، ويمنع أن تعود الأمة إلى الكتاب والسنة من خلال إدراك فقههما في إحياء الأمة المسلمة وإعادة فاعليتها وحضورها ووراثتها؟!

القرآن الكريم وشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وحياته بينهم هما من صنعا الصحابي الأول بخطابهما المتوجه إلى الإنسان في نفسه وعقله، وفي حركته وإرادته، وكل كتب العلماء إنما تستقي فروعاً وسواقي من هذا البحر الزاخر، والغيث العميم، ولن يستطيع أحد أن يزعم أنّ علماً واحداً هو من يقيّم الحياة ويحكم على كل ما فيها من تصرفات وآمال وأماني، لأن هذا العلم ساقية وفرعاً من فروع الإنسان، وفرعاً من فروع القرآن والحياة النبوية، وما نحتاجه اليوم هو هذا القرآن وهذه الحياة النبوية لإعادة الإنسان، لا فرداً فقط ولكن أمة كذلك، والصحابة كانوا يدركون الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أوسع مما يقوله العلماء اليوم.

وقصد ذلك أن القول بأن الجهاد ساقط عن الأمة لعدم وسعها، ولذلك فلا جهاد حتى يكون الوسع، والوسع عندهم على معنى معين، يتصورونه قريباً من الخيال الذي لا يكون أبداً، فإن قولهم هذا باطل وجهل في طرق إحياء الأمم، وهم جهلة

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٤٥