أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم)) والقول بالنسخ هنا عجيب وغير مقبول، لأن نفي الإيمان في هذه الآيات خبر، والأخبار لا تنسخ في دين الله تعالى، ولا يقول بنسخها إلا أهل الرفض والضلال، إلا إذا حمل كلام عكرمة والحسن على معنى آخر، وهو أن حكم الله السابق كان بحرمة الإستئذان ثم أذن به وجعله حلالاً، فلما حل صار الناس إلى قسمين: قسم يستأذن، فيذهب بإرادة الرسول صلى الله عليه وسلم بإذنه، وقسم يتسلل لواذاً كما قال تعالى ((لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم))، فهذا المعنى محتمل، فمن استأذن في ترك واجب، وهو قادر على أدائه وقعت عليه الآية هنا في التوبة، ومن استأذن في ترك واجب لعدم القدرة حقاً، أو استأذن في غير واجب فلا إثم عليه، ومن ترك المقام من غير اذن فهو مهدد بالفتنة أو العذاب الأليم.
﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾
هذا أول الأدلة على صدق المرء في دعواه أنه من أهل الجهاد أم لا، لأن الجهاد ليس لحظة النفير فقط، ولا لحظة الإشتباك مع العدو، لكنه الحياة، أي قبل ذلك بكثير، وبعد ذلك إلى الممات، والزاعمون للجهاد كثير من المسلمين، والجهات التي تصرخ أنها لا تنكر الجهاد تملأ الجو، لكن الفارق بين الصادق والمدعي هو الإعداد، وسمة المنافقين هنا هو الإحتجاج بعدم القدرة على الجهاد ليجعلوا هذا العجز عذراً لهم بعدم النفير، ويبقى حالهم كذلك؛ إن قيل لهم اعدوا قالوا: لا جهاد اليوم، فإن وقع الجهاد وتعين قالوا:- لسنا قادرين عليه، فأكذبهم القرآن وكشف نفاقهم بأن عدم جهادهم اليوم لعدم الوسع والقدرة إنما مبعثه عدم وجود الإرادة له مسبقاً بعدم الإعداد له يوم أن كان هناك وسع لذلك.
فهذا العجز الذي تعيشه الأمة اليوم هو لغياب حكم الجهاد في قلوبهم، وقد قامت في بلاد المسلمين كثيراً من الساحات التي استجاب لها أهل الإيمان، فأعدوا أنفسهم، وجاهدوا كذلك، وانتشر بهم الخير العظيم في بلاد المسلمين لما وقعت المحن في هذه البلاد، وصار هؤلاء هم أئمة الجهاد فيها، وحملة مشعل الدفاع عن بلاد المسلمين وأعراضهم، وبقي المعرضون عن هذه الساحات في أماكنهم، يتآكلون، ويخوضون في نفس المستنقع دون أن يتقدم بهم الإسلام خطوة واحدة إلى الأمام.
وتفسير الآية على أن هؤلاء قدّموا عذر عدم الإستطاعة هنا لعدم إعدادهم لهذه الإستطاعة هو وجه من وجوه التفسير، وهناك قول وتفسير آخر وهو أن هؤلاء المنافقين لو أرداوا الخروج لذهبوا إلى ما عندهم من الوسع كالطعام والدواب فجهزوها للخروج استجابة لأمر الله تعالى، ولم يأتوا إليك ليعتذروا بعدم الوسع والقدرة، والآية تحتمل المعنيين، فهناك من يعلم حكم الله بالجهاد، ويعلم أنه متعين عليه وعلى الأمة، ولكنه يعطل هذا الحكم لعدم إعداد الأمة له، وبالتالي فهي غير قادرة عليه، وكلما دعي لجهاد احتج بهذا، واعتذر عن الأمة بذلك، بل ربما رمى بهم في وديان من الأوهام التي لم تقع قط في التاريخ، كوجوب علم خاص على كل أحد، وقد كان هذا العلم في كل مراتب تاريخ الأمة خاصاً بقوم وفئة لا بكل أحد، أو يوجب عليهم أن يصلوا إلى مقام من التربية يزعمها قبل أن يجاهدوا، أو أن يذهبوا للإعداد، وكل هذه شروط باطلة، ولم تكن قط في زمن من أزمان هذه الأمة منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وهم إنما يقولون بهذا