تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويبغض من يبغضه، ومن عمل عملاً وكان حكم القرآن فيه أنه غير مؤمن بالله واليوم الآخر فهو دين يدين به المرء المؤمن فيه وفي أمثاله، وهذا الحكم يترتب عليه أمور يعرفها أهل العلم والدين.

ومما يجب العلم به أن نفي الإيمان في الكتاب والسنة إنما يعني نفي الإيمان الواجب الذي يترتب عليه الوعيد، ولكن الحكم عليه بنفي أصل الإيمان أي بالكفر فهذا ليس من لوازم هذا اللفظ، لا في الكتاب الكريم ولا في السنة النبوية، لأن القرآن عندما حكم عليهم بهذا لم يعاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه معاملة المرتدين ولا أحكامهم، وسورة التوبة فيها الأحكام النهائية، فنفي الإيمان الواجب لا يعني نفي أصل الإيمان، وهذا مشروح في كتب أهل العلم، وذلك كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:- والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قلنا: من يا رسول الله؟ قال:" من لا يأمن جاره بوائقه"، ومعروف أن هذا المرء لا يكون كافراً، وقد يعلق الله اسم الإيمان على العمل المستحب كقوله تعالى ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))، فهذا إيمان مستحب، لكن لا ينفي الإيمان عن المرء لتركه المستحب أو الأفضل، ومن قال هذا فقد أخطأ، هذا مع انتشار هذا القول في كتب الحديث عند المتأخرين.

فهاتان مسألتان:- الأولى:- إن نفي الإيمان في الكتاب والسنة لا يقتضي الكفر، ولكنه يعني وجوباً نفي الإيمان الواجب الذي يستحق صاحبه به الوعيد، وأما كونه كفراً أم لا فهذا يحتاج إلى دليل آخر.

ثانيهما:- إن تعليق الإيمان على فعل لا يستلزم أن يكون واجباً، فقد يكون مستحباً، ولمعرفة مرتبته يحتاج إلى دليل آخر.

أما كلمة" الريب" في القرآن وإن فسرتها كتب التفسير بأنها الشك، فهي ليست على التساوي مع هذه الكلمة، لأن الشك لا يكون إلا من جهة العلم، والشك مضاد للتصديق والإطمئنان، فالتوقف شك، والشك مراتب قد يقوى وقد يضعف، لكن الريب يكون في العلم والعمل، ولفهم هذا: فقد يكون المرء مصدقاً لخبر الرسول باليوم الآخر وأنه حق، ومع ذلك في قلبه ريب، فلو قيل له أنفق مالك، وابذل نفسك من أجل هذا اليوم لبخل وجبن، دون أن يكون في بخله وجبنه شك في صدق الخبر، لكن الريب، وهو ضعف إرادة القلب للعمل له، وتفسير السلف للريب بالشك هو تفسير للتقريب، فهؤلاء لا يؤمنون بالله أولاً أي لا يأتمرون بأمره، ولا يحبون رضاه، ولا يخافون من عذابه، فهذا معنى عدم إيمانهم بالله، أو لوجود المانع الأقوى لذلك وهو حبهم للدنيا أكثر من حبهم لله وللدار الآخرة، وإن كان قلب المرء لا يخلو من حب ورغبة ورهبة، فضعف أحدهما يعني وجود المعارض الأقوى له، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أصدق الأسماء همام وحارث))، فقوله تعالى عن المنافقين ((فهم في ريبهم يترددون)) يشمل عدم يقينهم على الدار الآخرة، وكذلك التدافع بين حبها وحب الحياة الدنيا حتى لو كانوا يصدقون بها دون شك.

كما في الآيات الحاضة على النفير وقول من قال فيها إنها منسوخة، فقد ذكر ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري القول بنسخ هذه الآيات ((لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون.)) بقوله تعالى في سورة النور: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٤٣