تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد علم الله ما في قلوب الذين يستأذنون بعدم النفير، فهي خالية من الإيمان بالدار الآخرة، وعلى المؤمنين أن يعلموا هذا، فإن إيمان الباطن يتجلى في سلوك الظاهر ضرورة إلا ما كان تحت الإكراه، أما الزعم أن المرء يمكن أن يكون مؤمناً باطنه، مؤمناً بالدار الآخرة وهو لا ينفر للجهاد فهذا زعم باطل، لا يقبله الله، وعلى المؤمنين أن يجعلوه معياراً لهم في فهم قلوب الناس، فإن القلوب وإن كانت في حقيقتها خفية عن عيوب الآخرين إلا أنه يمكن للناس أن يعرفوا ما فيها من خلال سلوك أصحابها، ومواقفها عندما يدعو داعي الإيمان للطاعات.

وها هنا قد تجلى كيف أن الإيمان بالدار الآخرة يصنع مؤمناً فاعلاً، عصياً عن الخوف من الشيطان وجنده، قوياً في انطلاقته نحو الآخرين، فالإيمان بالدار الآخرة ليس تصورياً في الباطن فقط، لكنه فعل عملي، وطاقة تغيير، وترفع عن الكسل والعجز والجبن، فهذه قيمة الإيمان في صورته الواضحة التي تخاطب الإنسان في كل مستوياته، فيفقهها العالم والعامي، والصغير والكبير، فيصبح الجميع في واد واحد من الفعل والحركة والتغيير، أما الذين يعلقون التغيير والإصلاح على نخبة من الناس لهم خطاب خاص يستعصي على عوام المسلمين ككلام المتكلمين والفلاسفة، ويرطنون بألفاظ لا يستوعبها إلا هم والخاصة من الناس، ويظنون أن شرط الإصلاح هو حصول وعي المسلمين على هذه المصطلحات أو الأفكار الخاصة هم واهمون، بل هم يحرثون في الوهم، ولن يبلغوا مرادهم، ولو عادوا إلى القرآن، وإلى أسلوبه، ومعانيه، لوجدوا قيمة هذه المعاني الإيمانية، وسهولة فهم الناس جميعاً لها، ولوجدوا كذلك قوة فاعلية هذه المعاني والأوامر القرآنية.

الإيمان بالدار الآخرة ركن من أركان الإيمان في الإسلام، لا يصح اسلام المرء إلا به، ولذلك فهو تكليف لكل أحد، عاميهم وعالمهم، وهو بين واضح في معانيه، وفيه قوة الفاعلية في الإنسان ما يحقق التغيير في أسهل الطرق وأنجعها، ولكن بشرط أن يعود ربطه بالحياة، وبالفقه، وبمقاصد الإسلام العظمى، وجعله مصلحة أولى لا يقدم عليها شيء من مصالح الإنسان الأخرى البدنية والمالية والدنيوية، أما أن يتحول الحديث عنه إلى مجرد معرفة وجدانية، أو معلومات تصورية عقلية، وحين تأتي مسائل الفقه، وقضايا الحياة فإنه يغيب تحت شهوات الناس والمفتين، أو يؤخر لتقدم المصالح الدنيوية فإن هذا يفقد الإيمان بالدار الآخرة معناه الحقيقي وأثره في حياة البشر والشعوب.

لقد ربط الله التقوى ههنا مع الإيمان بالدار الآخرة، فالتقوى فعل واختيار، والإيمان بالدار الآخرة تصديق لخبر الله تعالى، وهذه طريقة القرآن في جعل الشيء وأثره أمراً واحداً، يسمي كل واحد باسم الآخر لأن هذا هو واقع الحياة، وواقع المعاني الفاعلة كذلك، فالمتقون هم المؤمنون بالله والدار الآخرة، والمؤمنون بالله والدار الآخرة هم المتقون.

أما الذين يستأذنون بترك الجهاد والنفير وقد تعين عليهم فهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن حكم عليهم فما أخطأ فهذا حكم الله تعالى، فهو العليم بالتقوى ومعانيها، وحكم القرآن هو حكم الحق، وسينازع أهل الأهواء في ذلك بقولهم:- كيف تحكمون على القلوب وما أخفت؟ ومن أعطاكم هذا الحق بأن تجعلوا هذا مؤمناً بالله والدار الآخرة وآخر كافر بهما؟

فالجواب:- هذا حكم القرآن، وهذا من هديه، فالقرآن ليس كتاب إرشاد للمرء في خاصة نفسه فقط، لكنه إرشاد للمرء في معرفة حال الآخرين، وهو كتاب أحكام ليعلمها المؤمن في نفسه وفي الآخرين، فيرضى ما يرضاه، ويحب ما يحبه،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٤٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٤٢