تضمن لنفسك الدنيا على أحسن ما يحب أهلها، حتى الجهاد في سبيل الله لا يكون إلا بهذا الوجه عندهم، وأما جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فألق سمعك لما يقول خال الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص:- إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مالنا طعام إلا ورق الحُبلة، وهذا السَّمر، حتى إن كان أحدنا ليشع كما تشع الشاة ماله خلط)) أي يخرج منهم كما يخرج من الشاة، غير متماسك لجفافه ويبسه، أما الحُبلة فهي ثمر العضاة يكون في الفلاة، والسمر نبات يكون للإبل.
ولذلك لو عرض على أحدهم فعل أبي ذر رضي الله عنه لما أسلم لعابه، ولرآه على غير وجه الحكمة التي يفهمها ويفقهها، فإن أبا ذر لما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم)) ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري))، فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين أظهرهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته:- أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقام إليه القوم فضربوه حتى اضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه فقال:- ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه.
يقول لي أحدهم: يا هذا إن الإسلام لا يقوم على البلاد الفقيرة، ولا القوم الفقراء، يعيب عليّ أني أؤيد المجاهدين في بلاد لم تبين فيها مساكنهم من الزجاج، ولا يعرفون أرقام البورصات، ولا يملكون أسهماً فيها، فهل مثل هذا يعرف فقه هذا الدين؟ مع أنه قائد من قواد ما يقال لها الحركة الإسلامية؟
هل قرأ هذا حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم؟
هل سمع هذا وأمثاله، وهم كثير، قول جابر في الخندق:- ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً؟!
وهل قرأ هذا خبر أمير المؤمنين في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو يقول:- لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة مغشياً علي، فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي يرى أن بي الجنون، وما هو إلا الجوع؟!
نعم هذا الدين يقوم على الفقراء- حقاً لا مجازاً- لكنهم يؤمنون بالدار الآخرة، وهم على أتم الإستعداد أن يبذلوا كل شيء من نفوسهم وأموالهم في سبيلها؟
مثل هذا القائد وجنده معه ليس من فقههم أن يجوعوا ويحاصروا من أجل مسلم يلجأ إليهم، فيحمونه من أعدائه، فكيف يموتون من أجل ذلك وهم يخافون أن يقولوا فيه كلمة خير حتى لا تؤذي هذه الكلمة مؤسساتهم ومصالحهم الدنيوية؟
فقه الدار الآخرة يعني مدح من مات في سبيل الحق، وفضل من أوذي في سبيل القيم، وعظيم منزلة من خسر ماله وراحته من أجل الدفاع عن دين الله تعالى وعرضه، أما أمثال هؤلاء الذين يذمون المجاهدين بأنهم الفقراء والعاطلين عن عمل الدنيا وكسب التجارات فهؤلاء يذمون ما يمدحه الله لو كانوا يعلمون.
﴿والله عليم بالمتقين﴾