تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن إعادة المسلمين إلى دينهم، وإلى تجديد إرادتهم لتحقيق أهداف الإسلام إنما يبدأ بإعادة كل مسلم إلى وعيه أنه عبد لله، يسعى لتحقيق رضاه ودخول الجنان، بغض النظر عما يلقاه في هذه الحياة الدنيا، بل عليه أن يعلم أن تحقيق العبودية لله، وتقوية اليقين على الدار الآخرة لا يمر إلا عبر ابتلائه وجهاده وامتحانه، وهذا ما تحقق لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه بوابة فقههم لهذا الدين، لا كما يفعل الناس اليوم بأن يلجوا الإسلام من باب تحقيق مقاصدهم الدنيوية، فالداخل من هذا الباب لا يصمد أمام الاختبارات، ولا يرضى بفقه السلف، ولا يقبل على الشريعة وأعمالها التي تسبب له المحن والإبتلاءات، وسيكون القاء سمعه متوجهاً إلى الفقيه الذي يقدم له فقه التحلل من المشقة التي تعطل عليه شهوته، وسيرفض أي عمل فيه إرضاء الله تعالى على وجه خالص لمصالح الدين إن كان فيه إفساد لدنياه، وهذا هو الحال اليوم في مقدار وعي المسلمين على دينهم وعلى ما يسمونه روح الدين ومعانيه.

لقد دخل الصحابة من باب الآخرة، وتربوا عليها من خلال الإبتلاء، ومن خلال ضياع دنياهم لكن مسلم اليوم يفهم أن أي عمل يحقق له الإبتلاء وضياع مصالحه الدنيوية لا يكون ديناً، لأن معياره في التقييم ليس هو معيار الدار الآخرة وخلوصها، فحين يثبت هذا المعيار في قلب المؤمن وهو تحقيق العبودية لله وأن المصالح المعتبرة والمقدمة هي مصلحة الآخرة، فإن أمر فقه المسلم ووعيه يستقيم، ويكون تحصيل السعادة في الدنيا بعد ذلك تبع لهذا الأصل.

لقد انقلبت الصورة عند البعض، واختلطت عند آخرين، فالذين انقلبت عندهم صار أمر مصالح الدنيا هو المقدم والآخرة تبع لذلك، أي أن الدين وأمر الله جاء لهذا الأمر، وأما الذين اختلطت لديهم الصورة وهم أكثر من يقال لهم تيار التدين، فهم يرون توازي هاتين المصلحتين، ويخضعون الفقه لما يشاهدون آنياً من مصالح الدنيا، وأما فقه القرآن والصحابة فهو يعلق الشريعة وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم على تحقيق الدار الآخرة حتى لو فسدت دنيا الناس، وهي قد تفسد آنياً ثم يستقيم أمرها على ما يحب الله ورسوله والمؤمنون، لا ما يحب أهل الأهواء والدنيا.

قد يظن البعض أن هذا الأمر لا تعلق له بالفقه والإجتهاد والأحكام الشرعية، فيقصرونه على الوعظ والإرشاد والنصح العام، وهذا خطأ، فإن نوازل المسلمين اليوم من قضايا عظيمة تتعلق بأمورهم العامة، وأخرى ترتبط باختيارات المسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومسائل السلوك الفردي إنما يفتى فيها اليوم من قبل المفتين على جهة مصالح الدنيا فقط دون اعتبار للآخرة، فعامة أهل النصح اليوم لا يرضون من مسلم أن يأمر بمعروف وينهى عن منكر يكون عاقبته القتل أو السجن، بل ولا حتى ضياع الوظيفة، وما كان السلف يموتون من أجله، ويفتون المسلمين بذلك، صار فقهاء اليوم يختارون غيره تحت زعم الحكمة، أو عدم ترتب الضرر على فاعله، حتى صار هذا شرطاً كامناً في نفوس المفتين إن سئلوا عن أمر من الأمور، فلو قام رجل مؤمن لغيرته الدينية، وشدة حبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم قتل ساب الله أو ساب الرسول ثم سجن هذا القاتل أو قتل لأنكر عليه المفتون ذلك، تحت باب الحكمة في الدعوة، أو عدم جواز القاء النفس بالتهلكة كما يزعمون، بل لو سئل الكثير منهم عمن قتل في سبيل عرضه لوجدت من المفتين من ينكر عليه ذلك، ولدله على طريق الذل من الإلتجاء لشرطة بلده، أو الشكوى إلى محاكم الكفر فيها.

لقد صار معنى الحكمة في نفوسهم اليوم أن لا يلحقك ضرر في جهادك، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، فإن لحقك ضرر في فعل ذلك كان دليلاً على أن فعلك لم يكن حكيماً، بل إن كثيراً منهم يطلب منك أن لا تفرغ لأمر الدين حتى

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٤٠