تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله والدار الآخرة، ويعادي على هذه الحقوق، وليس كما يريده أهل هذا العصر من أن يجعلوا كل حركات المسلمين في جهادهم وسلمهم له تعلق بحقوقهم هم في هذه الدنيا، وحين يصبح المسلم كذلك فلا يكون بينه وبين غيره من الكفار أي فرق في موجبات جهاده وسلمه، وحبه وبغضه.

إن الإيمان بالدار الآخرة هو باعث الهمم، ومقوي القلوب، ومثبت الإرادات والعزائم، ومديم المسير نحو مقاصد الإسلام دون تبديل أو تغيير، لأن نداء الآخرة يعني الإستقامة على أمر الله تعالى حتى يأتي اليقين، إذ قبله لن ياتي أحد ضمان بالرضوان وبلوغ الجنان، فإن جاء اليقين جاء المؤمن قوله تعالى ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلاً من غفور رحيم)) وأما الكافر فيقول الله فيه ((حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت، كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)).

إن الجهاد في سبيل الله تعالى من أعظم الطاعات، ومن أشقها على النفوس، ولعظمته فإنه يحتاج إلى وقود عظيم يلائمه، وهذا الوقود هو الإيمان بالله واليوم الآخر، فإن وجد الإيمان بالدار الآخرة هانت نفس المرء عليه، وهانت عليه دنياه، فأقبل على الجهاد الذي فيه الشهادة في سبيل الله، وفيه انفاق الأموال، ومفارقة الأهل والاخوان، أما من غير هذا الوقود فإن الإرادات تخمل، والقلوب تموت، والعقول تفسد، والفقه يصبح مطية لذلك كله، فيبدأ تأويل كتاب الله على غير وجهه، وحمل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير مراد صاحبها، ويبدأ تبرير القعود، واسباغ الشرعية على الكسل الموصل للمهانة والذل والخزي لأهل الإسلام، ولذلك فالتنقيب عن سبب فساد الآراء، وضلال الفتاوى إنما يبدأ من ههنا، أي من عظمة الإيمان بالدار الآخرة في القلوب أو ضعفه، وحال المرء وزهده وطاعته تكشف عن ذلك، وتعري المرء أمام نفسه والآخرين.

هذه الآية العظيمة تكشف وتجيب عن سبب ذل الأمة، وذل قيادتها، وسبب هوانها حين تتوقف إرادتها عن المعالي، وحين تنتكس إلى داخلها وهي توقف حركتها نحو الآخرين غزواً ونفيراً وجهاداً في سبيل الله تعالى، بأن سبب ذلك غياب الإيمان بالدار الآخرة- ولذلك فمن هنا يبدأ البناء، ومن هنا تستقيم الحياة، ومن هنا يبدأ تجديد الإسلام؛ فقهاً وفكراً ووعياً وإرادة، وهذا البناء لا يكون بالوعظ فقط ولكن بتجلية الأعمال التي ليس لها تعلق إلا بهذا المعنى، حتى وهي تعارض مصالح الإنسان في الدنيا، وتقضي على شهواته ورغباته الحاضرة كما قال تعالى ((أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه، كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين))، أما حين يتحول الخطاب الديني كما هو الشأن في زماننا وعلى لسان أغلب الفقهاء والوعاظ والمصلحين إلى اصلاح الحياة الدنيا بما يستقيم لهذا الخطاب كما هو الشأن في زماننا وعلى لسان أغلب الفقهاء والوعاظ والمصلحين إلى إصلاح الحياة الدنيا بما يستقيم لهذا الخطاب من أحكام فقهية، ويكون الحديث عن الدار الآخرة تبع لهذا الأصل فإن هذا من أسباب خذلال إرادات المسلمين حين يستدعون إلى الطاعات التي فيها البلاء والمحنة فلا يقبلون، لأنهم فهموا أن الدين هو ما يحقق لهم الراحة في هذه الحياة، على معاني تغيّب الدار الآخرة.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٣٩