به من الباطل فهذه كراهة المنافقين والكافرين، فهؤلاء إن قاموا بالعمل إنما يقومون بالأعمال من أجل إرضاء الله والدار الآخرة والخوف من النار، وهم يجاهدون أنفسهم وما تحب بما تكره من الأعمال كما يجاهدون الكفار والله يقول:" كتب عليكم القتال وهو كره لكم"، مع دينهم الذي يدينون به أن ما تكرهه نفوسهم هو الحق، وسعيهم الدؤوب أن يصبح ما تكرهه نفوسهم حبيب لها.
فالقصد أن بعض هؤلاء ممن يستأذن، إنما يستأذن على وجه متابعة هوى النفس، فلو ضيق عليه فنفر مع أهل الإيمان لكان له أجر، وربما بطاعته هذا يكون أمره إلى خير، وفي هذه المسألة فقه لقادة الجهاد يصلح في بعض الأحوال لا كلها، وهي قذف الناس إلى معارك لا يحبونها ولا يرغبون بها، ولكن يعلم هؤلاء القادة أن هؤلاء فيهم خير ودين، لكنهم إما لجهل أو كسل يرغبون عن هذه الطاعات، فإن وجدوا أنفسهم في وسطها قاموا بها خير قيام، وعلى أحسن وجه، فللعلماء والقادة أن يلقوا بهؤلاء كارهين وسط هذه المعامع والطاعات، لكن هذا يحتاج إلى وعي شديد، وإدراك للخطورة، فإن مجرد خطأ في تقدير ردات فعل هؤلاء يؤدي إلى عكس المطلوب فتكون الفاجعة، ولكن مثل هذا الأمر له وجه لأهل السياسة والحكمة والتقدير، فإن الأصل هو أن لا يسير معك إلا من كان على بصر، لأن الطريق طويل وشاق، والفتن فيه كثيرة، والثمن الذي يدفعه أهله شديد وباهظ، ولو تأملت قصة غزوة بدر لرأيت فيها هذا المعنى إذ أقام الله الأنصار خاصة في هذا المقام، فوقفوا أمام جيش قريش على غير رغبة منهم: ((وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم)) ولكن لإيمانهم، وقوة يقينهم كانوا أهلاً لهذا الإمتحان، لكن لا يقال أبداً عن جند النبي صلى الله عليه وسلم في بدر أنهم أهل كسل وضعف فرموا في مثل هذه الحالة، ومن قال هذا فيهم فهو كاذب ضال، لكني أردت أن أنبه إلى هذا الموقف من حمل الناس على أمر ليحصل لهم فيه الخير، له وجه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف بعض وجوه المشابهة بين الصور والحالات المعروضة.
﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾
يقرر القرآن هنا أن الإعتذار عن الجهاد والقعود وعدم النفير وعدم انفاق الأموال في سبيل الله تعالى يعني خلو قلب صاحبه من الإيمان باليوم الآخر، ودليل على وجود الريب (وهو شك من جهة العلم وضعف من جهة عمل القلب ويقينه، فالريب يكون في العلم والعمل)، وهذا معيار رباني في حقيقة الإيمان أو عدم حقيقته، لأن الدعاوى كثيرة، لكن الأدلة تصدق هذه الدعاوى أو تكذبها، والذين يحرصون على ارضاء الله وبلوغ الجنة فإنهم يسعون لاثبات هذا الإيمان في قلوبهم وتقويته عن طريق هذا السبيل العظيم، أي الجهاد بالمال والنفس.
في هذه كشف داخلي للنفوس، ولم يذكر فيها ربنا سبحانه أي موقف عملي تجاههم، لكن ستأتي هذه المواقف التي أمر الله بها رسوله والمؤمنين أن يفعلوها معهم، وكلها لغياب هذه الحقيقة، وهي خلو القلوب من الإيمان بالدار الآخرة، وريبها في لقاء الله تعالى، وهي مواقف ستبين للمؤمنين أن معيار المسلم في تعامله مع الخلق في هذه الدنيا معلق بإيمان المرء بالدار الآخرة أو عدم إيمانه، وهذا يثبت أن المسلم عبد لله، يحب ما يحب الله، ويبغض ما يبغض الله، فيسالم على حقوق