تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مرض لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً))، ولم يكن هذا الحكم في أول الأمر، بل كان النبي يعفوا عنهم فإذا طلب أحد أصحابه منه قتل أحدهم أعرض عنه وقال:" حتى لا يقال إن محمداً يقتل أصحابه"، ولذلك قال عن زعيم المنافقين ابن أبي:" لو قتلته يومئذ لاحمرت له أنوف"، لكن أمرهم في زمن تبوك في هوان وليس لهم شأن، فلو كشفهم بأن لا يأذن لهم، فيتخلفون على وجه صريح من الإعراض عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لكان في ذلك خزي لهم، ولكان للرسول صلى الله عليه وسلم أن يعاقبهم، لكن كان ما كان من اعذارهم فاطمأنت نفوسهم وسكنت، ومثل هؤلاء في مثل هذا الحال يكون كشفهم وفضحهم ولحوق الخزي بهم مصلحة عظمى للإسلام وأهله، ولكن هذا لا يكون في كل حال، فإن هناك من الأحوال التي يضطر فيها المؤمنون الإعراض عن هؤلاء، والسكوت عنهم، وعدم مجابهتهم حتى لا تكثر عليهم الشرور، وتتكالب عليهم الأعداء كما قال تعالى في سورة النساء عن بعضهم" إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً"، فلكل حال ما يوجب من حكمة الإختيار في الأحكام الشرعية، لأن بعض الأحوال يكون تحييد الناس عنك، وابتعادهم عن اظهار معاداتك خير من أن يظهروا عداوتهم فيلحقون بمن يحاربك.

ولذلك فهؤلاء قلة في داخل المدينة النبوية، ولم يكن لهم أي أثر، وقد صار نفاقهم إلى الجبن والخوف والكسل، وأما عامة أهل المدينة من الأنصار فقد تبوأوا الدار والإيمان.

ثمّ يقال: إن هذا العتاب الرقيق يدل على أن الأمر بين حسن وأحسن، أو بين جائز وأفضل، لا بين محظور وجائز، ولتعلم هذا المعنى قارن هذا العتاب بما وقع له صلى الله عليه وسلم ولصاحبه الصديق من أمر أسارى بدر كما في سورة الأنفال في قوله تعالى ((ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم)).

وهناك سؤال آخر:- لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حقق أقوالهم، ثم لم يأذن للقادرين، فإن حالهم إلى أمرين؛ إما المعصية الصريحة الظاهرة بعدم النّفير، وإما النفير مع الكراهة، والثاني هو الأقرب، فكيف يُدفع مثل هؤلاء إلى الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يقول فيهم: ((لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليم بالظالمين)).

فيقال:-

إن الكثير من هؤلاء ضعاف في نفوسهم، وخوارين، وكسالى، فإن الإذن لهم يكون تقوية لهذا الضعف والخور والكسل، فيجسلون عن النفير، ولو وقع بأن لم يعطوا الأذن فإنهم سينشطون مع كراهة، وعمل الطاعات مع الكراهة في النفوس مطلوب شرعاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل أعلمه بكراهته الإسلام فقال له: "أسلم وإن كنت كارهاً"، هناك فرق بين هذا النوع من الكراهة وبين الكراهة التي قالها الله تعالى عن المنافقين في قوله ((ولا ينفقون إلا وهم كارهون))، فهناك قوم- وهو أمر عام في المسلمين- أن يجاهدوا أنفسهم على الطاعات مع كراهة نفوسهم لها، لأن النفس أمارة بالسوء وداعية هوى، فهذه كراهته لا تضر الفعل ولا قبوله، ولكن من يكره الدين على وجه مخالفة ما تدين نفسه

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٣٧