ولذلك يسمى غير العدل مجهولاً أو مستوراً حتى لو لم يوجد المعارض من اتهام الفسق أو الضعف في الحفظ، ومثل ذلك اتخاذ أهل الحل والعقد، والأصفياء والمستشارين للقادة، وكذلك أمراء الاجناد والأقاليم، فإن هذه مراتب توجب التبين، ولا يكتفي فيها بالبراءة الأصلية وسلامة الظاهر.
ويشبه ذلك اتخاذ القضاة والمفتين وأصحاب الشارات من أئمة ومقدمين ومن كان في معناهم.
وعلى العلماء والقادة أن لا يخلطوا بين الأمرين، لأن التفريق بينهما أمر مهم في حياة البشر وحياة المؤمنين، وخاصة حين انتشار الفتن، وازدياد المنافقين، وكثرة الشبهات، فإن اتخاذ الأولياء والأصفياء من غير الأكفاء في رسوخهم في العلم والمواقف يعود بالضرر الشديد.
والمسألة الثانية في هذه الآية أنها تبين أن الحكم في الظاهر لا يسقط حق الباطن إن كان على خلافه، فإن قضاء القاضي لا يسقط الحق الديني، لأن القاضي بما يظهر له من البينات والدلائل والقرائن، وقد تخطئ هذه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر))، فإن وقع هذا لا يحلل المال إن كانت الخصومة عليه، ولا الفروج ولا الحقوق، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم وأعذر، ولكن الله علم كذبهم فلم يسقط عنهم المؤاخذة والعقاب، وبقي عليهم الوصف الذي يلزمهم في باطن الأمر الذي يعلمه الله تعالى، فلا يظن المرء أن قضاء القاضي وحكم الحاكم ومدح المادح واعذار المعذر تغير من الحق الذي يعلمه الله شيئاً، وكذلك ما يعلمه المرء من نفسه، والمرء إن فرح بما يحكم له، ولكن الله تعالى يقول الحق، ويحكم به، وهو عليم بذات الصدور.
لكن هذه الآية لا يحتج بها على كشف أسرار الناس الباطنة التي هي من شؤون أنفسهم في حياتهم وبيتهم، بل لا يكشف عن أموالهم الباطنة كالذهب والفضة في الزكاة، إنما يكشف عن الأحوال الظاهرة كالزروع والثمار والإبل والبقر والغنم، وهذه هي سيرة المسلمين في هذا، ولذلك كان من حكم الصديق رضي الله عنه: ((أنه من تتبع عورات الناس أفسدهم)) بل الواجب في هذه الأمور الستر إن علم المرء منها شيئاً كالقاذورات الذاتية من زنا وشرب خمر، فمثل هذه الأمور لا يجوز لأحد أن يتجسس على غيره ليفضحه سواء كان حاكماً أو محكوماً، قاضياً أو غير قاضي، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه أن يحملوا له أخباراً لا يحبها منهم ويقول ((حتى أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) وينهى عن تتبع العورات وكشف الستور والله يقول:" ولا تجسسوا" وهذه في سورة الحجرات، وهي سورة ترسي قواعد الحياة الإجتماعية في داخل المجتمع المؤمن.
لكن السؤال ماذا يفيد القائد أن لا يأذن لهذا النوع من الخلق في داخل المجتمع المؤمن؟ لأن البعض سيقول:- إن من صفات القائد الناجع التغابي، وهي صفة حث عليها السلف، فإن ادراك أقرانك أنك تعلم دخائلهم وحقائق نفوسهم وبواطن ما يخفون ينشئ بغضهم له، ويورث بينهما العداوة والتنافر، فيقال:-
إن صفة التغابي، ومعناها ادعاء الذكي البصير عدم العلم بالآخر، فكأنه غبي وليس كذلك، صفة ممدوحة بين الاخوان والأصحاب والأصدقاء، أو بين من تخاف عداوته أن تضر بك وتفسد عليك شأنك، والأمر ليس كذلك هنا، فإن الله تعالى قد قمع المنافقين في آخر الأمر، وصاروا إلى ستر أمورهم لما هددهم الله بقوله ((لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم