﴿لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾
هذا تقرير رباني أن الذاهبين عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقفه، وأعلاها الجهاد في سبيل الله، وهم الجبناء والبخلاء من المنافقين هم قوم قد فرغت قلوبهم من أسّ هذا الدين وركنه الذي يشكل حقيقته الكلية وهو العبودية لله والإيمان بالدار الآخرة.
الجهاد في سبيل الله تعالى يعني الثقة بالله والثقة بوعوده الدنيوية والآخروية والثقة بنصره، ولا يقوم به إلا من تعلقت قلوبهم بالجنة وخافوا النار، وكذلك هو الطريق الذي يحقق ما عند الله تعالى من وعود يطلبها الإنسان في الدنيا والآخرة، لأنه هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما طرق الأغبار فإنها لا توصل أبداً إلى الوعد الإلهي بالنصر، ولا الوعد الإلهي بالوراثة، وأصحابها يعلمون ذلك فإنهم أقصى ما يطلبون أن يكون خيطاً مرضياً عنه ضمن نسيج الجاهلية، أي واحد من متعدد، وهم يصرحون بهذا ويعلنون أنهم لا يريدون إلغاء الآخرين بل مشاركتهم، ولذلك ليس في قلوبهم قط رجاء الوعد الإلهي بالنصر في الدنيا فكيف يكون عندهم رجاء دخول الجنة وحرمان الكافرين منها، هذا مع ما يسمعون من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما من مسلم يوم القيامة إلا ويعطى له كافر يأخذ مكانه من النار، فعندما يقول المجاهدون:- إن طريق الإسلام هو طريق الجهاد، لأنهم يعلمون أن الإسلام هو العبودية لله والإيمان بالدار الآخرة، ولذلك لا يقوم بالجهاد إلا أهل هذين الركنين، وإن كل مناهج الباطل لتلغي من خطابها للآخرين هذين الركنين، فلا يعقلون أبداً خلافهم مع الآخرين حول عبودية الله، ولا ينذرونهم بالنار التي سيصلاها كل كافر، بل هم قبلوا لعبة الجاهلية أن الخلاف بين دعاة الحكم بما أنزل الله وبين خصومهم إنما هو خلاف برامج سياسة وإقتصادية وإجتماعية منبت الصلة عن خصوم الإيمان مع أقوامهم.
اقرأ الصورة من كل جوانبها ستجد أي انحراف وقع فيه الناكبون عن طريق الجهاد في سبيل الله سواء ضد المرتدين أم الكفار الأصليين، حقيقة الإنحراف هي جهل بحقيقة الدين الذي بعث به الانبياء، وليس انحرافاً في مسائل فقهية كما يريد البعض تصويرها، ويجتمع مع هذا سلوك سياسي انتهازي قبيح يعبر عن حقيقة إطار هذه الجماعات وهو خطابها اللين ضد خصومهم السياسيين من الكفار وغلظة خطابهم بل وبراءتهم من المجاهدين وكأنهم قبلوا قول الصحابي وهو يبرأ من المشركين ويعتذر عن المسلمين، فصار هؤلاء يعتذرون عن أفعال المشركين ويبرؤون من أفعال المؤمنين.
﴿وذكر الله كثيراً﴾
هذا ركن آخر من أركان تحقق الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو وقود العاملين والدعاة والمجاهدين، لا يواصل الطريق إلى منتهاه وهو الموت إلا من عاش في كل لحظاته، ولذلك جعل الله ذكره سبحانه وتعالى وصيته لموسى وهارون عليهما السلام في رحلتهما لدعوة الطاغية فرعون فقال تعالى ((اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري))، وهذه الصفة هي سمة الربانيين الذين يحققون التغيير في الحياة، ولو تأملت سيرة المجددين في التاريخ الإسلامي، وقادة الجهاد الذين حققوا أعظم الخيرات لهذه الأمة لوجدت فيهم صفة جامعة هي صفة الربانية، وهي التي لا تتحقق إلا بدوام ذكر الله تعالى في حلهم وترحالهم، وفي قيامهم وقعودهم، فلسانهم رطب بذكر الله، ولهم من الأدوار الشرعية ما تملأ عليهم يومهم كله، وذلك بالإستغفار والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والباقيات الصالحات، وصلاة قيام الليل وصلاة الضحى وكثرة النوافل والإعتناء بالسنن الرواتب، إذ لا ترى الواحد خالياً من عمل من أعمال الحياة إلا وهو دائم الذكر لربه، وأعظم الذكر هو قراءة القرآن؛ بختمه الكلي منهم كل شهر مرة، و أما طريقة الكثيرين من أهل هذا الطريق أن يختم