تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل يفيد التذكير بخطأ الكثيرين في فهمهم معنى العودة للكتاب والسنة لحصول التغيير في الأمة حين أبعدوا النجعة وسلكوا غير هذه الطريق، ولم يعرفوا ما هي بيئة القرآن وما هي دعوته، وما هي الحياة التي يدعو إليها؟!

إن مقام هذه الأسوة شديد، ولا حظ للنفس فيه قط، ولذلك فإنه مربوط بهذه الشروط:- رجاء الله والدار الآخرة ودوام ذكر الله تعالى.

إن هذه الخصال ليست معارف عقلية باردة، بل هي حقائق قلبية تأسر الإنسان وتسوقه إلى قيم السلوك العالية، ذلك لأن المعارف العقلية الباردة لا يدفع أصحابها الثمن، وهي عند الإبتلاءات تغيب عن نفس صاحبها لأنه غير مستعد لدفع ثمنها، فمن هذا الذي عنده استعداد أن يدفع روحه ثمناً في ابتلاء يتعلق حول سؤال يدور بين متخاصمين في رقم من الأرقام الحسابية لا علاقة له به حتى لو كان متيقناً من هذه المعرفة، لكن حين يكون المرء محباً لله خائفاً منه، راجياً منه خيري الدنيا والآخرة، وهو لا يعنيه أن يخسر في هذه الدنيا أو يربح، بل هو على استعداد أن يخسر روحه من أجل أن يربح الآخرة لما فيها من نعيم ورضوان الله فإنه حينئذ يقيم على غرز الإقتداء بهذا الرسول، حتى لو كانت النار تشتعل تحت رجليه، والسياط تأكل من بدنه، والقيود تحز في يديه ورجليه.

إن الإقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يفعله المرء لأنه يوصله إلى شهوته في الدنيا، بل إن هذه القدوة ههنا تقضي على شهوته في الدنيا لتصل به إلى الجنة، ذلك لأن الجنة أحيطت بالمكاره كما النار أحيطت بالشهوات، ولذلك فأعظم ما يتحقق به الإقتداء هو الإقامة على ذروة سنام الإسلام في المعالي، فإن حصل ذلك فإن ما دونها أهون، ولذلك فالذين يَشْكون من الناس بعدهم عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم وهجرهم لسنته ليسألوا أنفسهم أين هم من إقامتهم لأنفسهم في هذا المقام ليلحق الناس بهم هناك فيكون الحديث بعد ذلك عن السنن الأخرى سهلاً ميسوراً، أما جلوس الناس وسط الشهوات والرغبات ودفعهم للسنة النبوية فهو كجر العربات بلا دواليب، وهذا ما وقع فإن من يستجيب لك اليوم في باب سينتكس في آخر، ومن يتقدم معك خطوة فسيرتكس عشر خطوات، وبذلك ستبقى الدعوة إلى إحياء السنن مكانها، ولذلك فلا عجب أن يتحول دعاة الإصلاح ورجال الفتوى إلى ما يسمّى بفقه التيسير، وهو في حقيقته فقه التلفيق وتتبع الزلات وسقطات العلماء، وحجتهم في ذلك أن الناس لا يسعهم إلا هذا، والحق أنهم هم قد هانت عليهم السنن، ورضخوا في حمأة الشهوة، ورضوا للناس ذلك فصارت مطالبهم من الآخرين تلاقي المشقة والعنت، فهم يحاولون الجمع بين الشهوة والدين، وبين اتباع السنن واتباع الأهواء، ويجدون المشقة الشديدة في ترك الشهوات فتتم التضحية بالدين والسنة، وهذا شأن النازل عن الذروة فإنه سيبقى يتدحرج حتى يصل إلى القاع، هذا مع أن صورة المفتي والواعظ صورة الحريص على الدنيا، وهو لا يكف عن الصراع كغيره لتحسين دنياه والرقي فيها، ومثل هؤلاء يجدون في أنفسهم العذر للناس في ترك السنن والشرع لأنهم يحسون بهذا.

إن طائفة الجهاد هي وحدها التي تهيء للأمة السبيل القويم في تطبيق السنن النبوية والتزامها، لأن كثيراً من السنن تترك في زماننا بسبب نفسية الهوان والذلة والضعف أمام الآخرين، فيصبح السني خجولاً في اقتدائه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيل الله تعالى حالة نفسية مبعثها العزة بهذا الدين والنظر باستعلاء إيماني لكل ما يخطه الناس من أساليب حياة بعيدة عن الهدي النبوي، ولذلك فبيئة الجهاد ونفسية المجاهد هي أرقى البيئات لعمل السنن والتمسك بها والإعتراف بإظهارها.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٣٤