الحياة فذهبوا إلى غيره يطلبون الوعي وفقه الحياة، فتضلعوا من الآخرين، وبهذا تسللت فيهم قيم الجاهلية وهم لا يشعرون، والفريقان ضرب الله مثلهم في سورة النحل، فالأولون قال الله فيهم:-" ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء" فهم عاجزون، ولعجزهم يقيمون مكانهم، والآخرون قال الله فيهم:-" أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير" فهو مقاد من غيره، يسعى، وسعيه إلى فساد، والفساد إما بإيقاع الشر أو الإنتهاء إلى الفشل، وأما المؤمنون حقاً فهم ((ومن رزقناه منّا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً))، وأعظم الرزق الحسن هو القرآن، وهو ((يأمر بالعدل وهو على صراط مسقيم))، فهو مالك للعلم والعمل ويدرك سبيلهما ((وهو على صراط مستقيم)).
لكن مما ينبغي التنبيه عليه أن هذه ليست قضايا نظرية، والمتمعن في هذه الآيات وفي القرآن كله ليس لاستخراج الدرر العلمية لتسجل للواحد من قائليها أنه فقيه بكتاب الله تعالى، بل فقه هذه الآيات له أهل، هم أهل الاختصاص بها، هؤلاء هم المجاهدون، فلا يمكن تحقيق معانيها إلا بهم وبأعمالهم وسلوكهم، وهم أشد الناس حاجة لهذه لئلا يقع عليهم قوله تعالى ((أينما يوجهه لا يأت بخير)) كما هو شأن كل عمل يخالف سلوك الحق والصراط المستقيم، أي الشرع وفقهه، والتكوين وسنته، وكلاهما في كتاب الله تعالى.
﴿لو استطعنا لخرجنا معكم﴾
فهذا ادعاء العجز، وعدم القدرة، وهو ادعاء كاذب، نعم في هذا الخروج مشقة وتعب، لكنه تعب تقدر النفوس عليه، وتستطيع تجاوزه، والظن بأن القدرة التي يعلق الشارع عليها الأمر هي الفراغ من المشقة والمكابدة ظن واهم، لكنه يوجد في نفوس الكثيرين، فإن مجرد وجود المشقة والتعب يمنع البعض من إتيان الأمر الإلهي، ولا يقبلون عليه إلا إذا حقق لهم الراحة والدعة والترف، فإن كان يجر عليهم بعض البلاء والمشقة يزعمون أن الله لم يأمر بهذا، ولم يكلفهم به على هذا الوجه، هذا مع أن كل الأوامر هي ابتلاء للعبيد، فهذا أمره سبحانه وتعالى بحرمة الصيد للمحرم جعله من أجل الإبتلاء فقال:- ((يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم، ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم))، ولهذا ابتلى الله بني اسرائيل بالحوت وكثرته يوم السبت فقال:- ((إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم))، فالذين يضبطون الفقه على معنى افراغ الأمر من المشقة هم جاهلون بحكم الله تعالى، وما يقولونه هو جهل بقوله تعالى ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر))، فهذه الآية هي بعد أن رخص الله للصائم بالإفطار في سفره ومرضه، وهي قاعدة شرعية صحيحة، لكن أن يصل الأمر بالفقيه أن يسقط أحكام الشرع محتجاً بها فهذا خطأ، فالصيام فيه حبس النفس عن طعامها وشرابها وشهواتها فهل يجوز لهؤلاء أن يبطلوا أحكام الصيام لهذا الفهم البدعي؟!.
لقد كان الخروج إلى تبوك محنة وابتلاءً، فهو في زمن الحر والقيظ، والمسافة بعيدة، والرحل قليل، ومع ذلك فإن هذا مما يقدر عليه الناس من غير المرضى والعرجان والعميان، ومن لم يفعل محتجاً بعدم القدرة فهو كاذب، فهذا علم الله تعالى فيه، وهو حكمه الذي يجب أن يعلمه من نفسه، ويعلمه المسلمون كذلك.