والقائمة تطول، ولا تكاد تكون تجربة إلا والطريقة واحدة، وكذلك النتيجة، والمؤمنون يلدغون من نفس الحجر عشرات المرات، فلا يوجد طاغوت إلا وهي لعبته، ولا يوجد محتل وغاصب إلا وهذه حيلته، وكأن هذه الأمة ليس لها إلا خصلة وحيدة هي خصلة الغباء، واتقان الجثي على أربع لتمتطى من قبل أعدائها ليبلغوا عليها حاجاتهم، فهم في زماننا خير نموذج لما يقال له: المغفل النافع، فبمجرد كلمات قليلة، وبعضهم لا يحتاج أن يحلف له ليصدقه من المشايخ وقادة الحركات حتى يحملوه إلى مقاصده، والعلة أن هؤلاء لا يفهمون أن يقيموا الإسلام واقعاً بعيداً عن الآخرين، بل هم على الطريقة التي شُرحت سابقاً وهي إدخال الإسلام ضمن حركة الآخرين، فلو أن هؤلاء استقلوا، ودعوا إلى الإسلام ورايته بعيداً عن قوى الآخرين، ولو لحق بهم القليل لحققوا مقاصد الإسلام، ولما اتخذوا مطايا لغيرهم، لكن ضعف وعيهم وفقههم لمهمة الإسلام في الأرض يصيرون إلى هذه النتائج.
إن فقه الإسلام وتوحيد الله يحتاجان إلى وعاء يحضنهما ليتحقق لهما النصر والعزة والوراثة، ولهذا الوعاء فقه، قد يسمونه الفقه السياسي أو الفقه الحركي، وليسموه كما يشاؤون لكن شرط صحته أن يكون مصدره الوحيد هو القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يعجب البعض من هذا الشرط، لأن هؤلاء يظنون أن الحركة الإنسانية في الوجود إرث إنساني، وكلامهم فيه حق، لكن لو تأمل هؤلاء كتاب الله على الوجه الصحيح، وراقبوا السنة النبوية بوعي العلماء والمحققين والباحثين لرأوا غناء هذين المصدرين عن كل مصدر آخر، فانظر إلى هذه السورة العظيمة- سورة التوبة- وتأملها ضمن هذا السياق، فهل هناك كتاب في الوجود يمكن أن يقدم لك الحماية لحركتك نحو أهداف الإسلام كما تقدمها هذه السورة؟
إن تسمية سلفنا لها بالمشققة، أو سورة البحوث لإدراكهم عمق ملاحقتها للإنسان أمام الجهاد ومحنته، وكشف أقاويله ونفسيته ومواقفه، فهي تعطيك وعياً تفصيلياً على المحيط، وترفع عندك درجة البصيرة في البشر والتجمعات، فتصنع منك محققاً عالماً ناقداً بصيراً، لا تخطئ فراستك في ملاحظة أي كلمة أو أية حركة، أو أي موقف.
إنها ترصد الإنسان في بدايته ((رضوا بالقعود أول مرة))، وترصد مسيرته بلا غمغمة ولا خداع، وبالألفاظ تحيط بهؤلاء القوم على وجه لا يخفى على مراقب، فإن فقهت هذا علمت أن ما يسمونه علم النفس العسكري هو قطرة، بل قطرة غير نقية أمام هذا الغيث الرباني العظيم، فحين تحذرهم من قوم لهم مواقف في بدايتهم، وكان سلوكها على الوجه الذي كشفه القرآن من نفوسهم فهل يلدغ المهتدي بالقرآن من الحجر مرتين وثلاثة وأكثر؟!
هذا القرآن هو فقه الحياة، ولأن حياة الأمة هي الجهاد، فإن بيئة القرآن هي الجهاد، ولأن هذا القرآن كلمة الله للأنسان، ليعلم المهتدي به، ويعرض المعرض عنه، ولأن قمة ما يمتحن به الإنسان هو الجهاد في سبيل الله تعالى، فإن القرآن يكشف الإنسان من خلال هذه القمة العظيمة، فإنك لو أنصفت لرأيت هذا جلياً في كتاب الله.
هذه السورة من خواتم سور القرآن نزولاً، ولذلك تضع المرايا الكثيرة لمراتب الخلق أمام المؤمنين ليكونوا على بصيرة بمجتمعاتهم وشعوبهم، وليكونوا أبصر الخلق بالخلق، وأشد الناس صلابة من دخول الخداع عليهم، أو اتخاذهم مطايا، وما الضياع الذي نحياه إلا بسبب إعراضنا عن هذا النور والهدى، فالناس فريقان فيه، قوم يدعون للعمل به دون العلم به على حقيقته، وهم مغفلون أصحاب نوايا طيبة، ومقابلهم آخرون رأوا في الفريق الأول سذاجة الإدعاء بأن القرآن فيه فقه