﴿يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون﴾
أي أنهم يوبقون أنفسهم في الهلاك والعذاب حين حلفوا هذه الأيمان الكاذبة.
فهذا أول الأيمان منهم، يتسترون به أمام المؤمنين حتى لا ينفروا معهم.
((عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لكم الذين صدقوا وتعلم الكاذبين))
لقد سكت القرآن عما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، ولكن هذه الآية تبين أنه أذن لهم صلى الله عليه وسلم، أي أنه أعذرهم وسمح لهم بالإقامة وعدم المسير، فجاءت هذه الآية الربانية تعاتبه معاتبة المحب، وكما قال بعض أهل المعاني فإنها من أرق العتاب حيث قدمت العفو قبل ذكر موجبه فقالت: عفا الله عنك، ثم ذكرت الفعل:- لم أذنت لهم، وهذا لمقام الحبيب المصطفى عند الله تعالى، ويحق له ذلك بأبي هو وأمي ما أعظمه وأعبده، وما أجل درجاته عند ربه ومولاه، وهي تعلم المسلمين المؤمنين كيف يتعاملون مع كبرائهم ومقدميهم وعلمائهم ورجالهم حين يريدون الخير، وهم أهله، فيأتون بأفعال تستحق العتاب، فالواجب أن يسلكوا أدب القرآن، ويهتدوا بهديه في الخطاب والنصح، من وجوب الرفق، والإتيان بالكلمات التي تحفظ الود، وتؤدي إلى حصول المراد.
ثم في هذه الآية أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم بالتبين من دعوى هؤلاء القوم قبل أن يأذن لهم ويعذرهم، فإن أيمانهم ليست كافية في اثبات صدق دعاويهم، وهو أمر للمؤمنين بالتنقيب في أحوال الناس عند الشبهة والتهمة، وعدم الوقوف على الظواهر، ولذلك فقولهم بعضهم: لنا الظاهر في قبول الناس وكلامهم ودعواهم ليس على اطلاقه، فالمرء له تاريخ يجب أن يستحضر عند القضايا العظيمة، وله سوابق تكشف مقامه واختياراته، أما الدعوى بأن الظاهر كافية في اتخاذ الأولياء والأصفياء، واختيار القادة، ووضع البعض في مصادر القرار والتأثير فهذا لا يسلكه إلا أهل العي والعجز والضعف والجهالة، ومن فعل هذا فإنما يجني على نفسه وعلى الإسلام وعلى من ولاه الله رعايته، وخاصة حين تكثر الفتن، ويكون من أساليب المجرمين والأعداء اتخاذ هذه الوسائل في حرف الطريق وإفساد أهلها، فعين المؤمن القائد ومن كان في معناه ليست عمياء ولا كليلة، بل هي تعرف الناس من لحن القول، ومن سيماهم، ومن أخدانهم، ومن تاريخهم، ومن عباداتهم، ومن صفوهم، وكل ذلك بين في كتاب الله تعالى في كشف خبايا الناس.
فالله يرشد حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أن يوفقهم حين جاؤوه، ولا يعطيهم العذْر قبل التبين، بل يرجئهم حتى يسأل عنهم نقباءهم وأهلهم وجيرانهم، فيعذر من يستحق، ويرد من لا يستحق، والتبين يكون عند وجود المعارض في أمور، وهو أصل في أمور حتى لو لم يوجد المعارض.
فعند وجود المعارض كما في الدعاوى بين المتخاصمين، فإن الأصل البراءة، فإن وجدت التهمة فلابد من التبين بالشهود أو البينات مع الحلف إن لم يكن إلا شاهد واحد، وكذلك اثبات عدالة الأئمة عند انتشار تهمة الزندقة في وقت أو بلد.
وهناك أمورتوجب التبين حتى مع عدم المعارض قبل اثبات العدالة في الشهود (كما هو رأي الجمهور خلافاً للأحناف)، واثبات العدالة في رواة الحديث، فإن العدالة لا تثبت بالبراءة الأصلية هنا، بل هي أمر زائد تحتاج إلى اختيار وتبين،