تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حين تدرك هذا من نفسك ستعرف أن مشكلة القوم هو الهوى وحب الدنيا، والله يقول: بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره، وما الفتاوى إلا أعطية جاهلة لهذه النفوس المريضة، كما هو الشأن مع نفسك هنا إن صدقت وحققت، إذ ستجد أن الفتوى لا حضور لها في نفسك إلا بعد أن ترى من نفسك الضعف والخوف، ومشقات الطريق، فستقول بعدها: لكن بعض العلماء يقولون بكذا وكذا، فإن قيل لك لكن الله قال الحق، وهو غير ما يقولون، حينها يبدأ التأويل والتحريف لكتاب الله تعالى وهذا موصل لما قال الله تعالى: ((ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون)) لأن المعاصي تبدأ بهذا الأمر وهو الهوى والضعف من أداء التكاليف ثم يصار إلى القول على الله بغير علم.

﴿لاتبعوك﴾:-

هذه دليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سيذهب إلى تبوك ولو وحده، وبمن حضر حتى لو تخلف الكثير، الإمام الذي يصدر إلى الفعل قبل غيره، ويقدم إليه بنفسه وهو يدعو الناس إليه، ولا ينظر خلفه، وهذا تطبيق لقوله تعالى ((وقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، وحرض المؤمنين))، فرسول الله إمام الهدى ساع إلى مقصده، والناس له تبع، ولا يضره من تخلف أو ضعف، فهو يقوم بأمر الله تعالى، فإن جاء الناس فهذا الخير العظيم لهم، وإلا فالدين لن يخسر شيئاً، بل هم سيخسرون.

﴿وسيحلفون لو استطعنا لخرجنا معكم﴾

سنجد أن هذا الصنف الضعيف الجبان والمتخاذل يكثر الحلف في هذه السورة، فهم يحلفون هنا على هذا القول الكاذب، وسيحلفون مرات أخرى:-

- ((ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون))

- ((يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه))

- ((يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم))

- ((سيحلفون بالله إذا انلقبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس))

- ((يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الكافرين))

- ((والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، ... وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون))

هذه كلها في هذه السورة المشققة عن المنافقين، والتي تبحث عن سرائرهم ونواياهم وقبولهم، وعن مواقفهم وأعمالهم وأقوالهم، فلا تبقي لهم ستراً، وحلفهم المتكرر هذا دليل سقوط عظمة الله من قلوبهم، فإن كل إيمانهم هذا قد كشف الله كذبها، ومن حلف هذه الأيمان الكاذبة في هذه المواطن بل ما هو أدنى منها فإنما يغمس نفسه في جهنم، ويوبقها في غضب الله ومقته، لكن هؤلاء القوم لا يهمهم قيمة نفوسهم في عين الله تعالى، إنما هم يريدون تدبير شؤون حياتهم الدنيا، فيرضون أهلها، ويُمضون ما يحبون ويرغبونه، حتى لو علموا أنهم ساقطين من عين الله تعالى، ولم يعلموا أن من سقط

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٢٧