رأيت مسكيناً جاهلاً تابعهم إلا وقال هذه الكلمة: "هؤلاء يريدون إفساد بلدنا"، فيا أيها المسكين كيف طواك الشيطان وحماها جنوده؟! وكيف قدمت تفرقة الشيطان بين الناس على هذا الأساس على تفرقة القرآن بين مؤمن وكافر؟!
عد إلى دينك في فهم الحياة، وعد إلى حقيقة توحيدك التي لا تكون إلا بالولاء والبراء على أساس الإيمان، وانزع عنك ثوب الجهل وقل كما قال إبراهيم والمؤمنون معه لقومهم:- ((إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده))، فالتوحيد هو جنسيتك، وأرض الإسلام هي أرضك، والمسلمون هم إخوانك.
ستقول هذه أصول الدين فهل جهلها المفتون الكبار في بلدي حين قالوا ما قالوا من حرمة الجهاد ضد طواغيت بلادهم، وحين منعونا من الذهاب في الأرض جهاداً في سبيل الله؟
أقول لك: إنه الهوى الذي ضرب القلوب، والدنيا التي ألقت على العلم ظلالها فمسخته، وإن شئت الدليل فإليك الإمتحان.
اجلس مع نفسك، وقل لها سأجاهد في سبيل الله تعالى، ولا تخبرها أين ستجاهد، ولا مع من، ولا من ستجاهد، بل اعرض عليها الجهاد في سبيل الله تعالى فقط، وانظر جوابها إليك، فبالله عليك هل ستمنعك من الجهاد أم لا؟ فإن كنت تتقن النظر في نفسك، وتراجعها في هواها كما شأن العقلاء في ذلك فنقب عن سبب المنع، فهل ستجد فتوى لعالم في الأرض هي التي تصدك عن الجهاد، أم ستجد الخوف من ذهاب الدنيا التي ترعاها، ستقول لك نفسك:- فمن لشركتك؟ ومن لرعاية مصالح مالك؟، فإن كنت محباً للجهاد ستقول لك:- ستجاهد، لكن ليس الآن، إنما بعد أن تقضي بعض الحوائج، وتدبر بعض القاضايا العالقة.
هذه القضايا العالقة، وهذه الحوائج هي بعض معنى قوله تعالى ((خفافاً وثقالاً))
فإن زهدت في ذلك، وانتصرت على هذه العقبة الشديدة، ستقول لك أين الجهاد الآن؟ فإن قالت لك: لا جهاد اليوم في الأرض وصدقتها فقد بان لك مقدار جهلك، ومقدار فساد نظرك، فإن الجهاد ماض إلى يوم القيامة قدراً وشرعاً، وقد وصف رسول الله الطائفة المنصورة بأنها باقية لا تزول حتى يخرج الدجال، وهي طائفة جهاد، فإن رأيت جهاداً فسترى أنها ستقول لك: وأين أنت من هذا؟ الطريق طويل وشاق، فالمسالحة على كل المنافذ، والعيون ترقبك، فإن خلصت فلن تخلص بيسير، فاقعد.
عالجها حينذاك بهذه الآيات، فإن قالت لك:- هذا القاء بالنفس في التهلكة، حينها افتح كتاب التفسير لفقيه في الكتاب والسنة، لا فقيهاً في معرفة الفرق المادي بين موظف في الدرجة الأولى والدرجة العاشرة، ولا مفتياً يغضب إن قلت له: فضيلة الشيخ، ولم تقل له: سماحة الشيخ، لأنك استصغرته، أو لم تعرف الفرق بين درجة كلمة فضيلة وكلمة سماحة كما أنك لا تعرف الفرق بين كلمة المحكم والنص في علم الأصول، فإن فتحت هذا الكتاب ستعرف حينها ما معنى التهلكة في قوله تعالى ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)).