تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أي والله فليسعد ((الصمت)) فلا يراد منهم قول ولا نطق سعيد، كما قال أبو الطيب.

يسب أحدهم ويعيب على المجاهدين لأن جهادهم أضاع عليه وظيفته، وأفسد عليه رحلاته الإستجمامية في بلاد الترف والفساد، وجعل العالم يخاف من المسلمين، فهو لا يحب إلا أن يكون فأراً أو حيوان بيت عندهم يربت على كتفه، ويلعب به للتسلية.

يا لهذا القرآن اليوم مع أهل هذا الزمان ممن يبكون على حالهم حين يقارنوه مع تاريخهم، ويريدون العزة من غير ثمن، ومن غير مشقة، يهددهم إن لم ينفروا، ويعيب عليهم إذ يستنهضهم في الحر والجوع وقلة الرحل ليمشوا في الصحراء ولهبها لمقابلة عدوهم فيعتذرون، واليوم لا يعتذرون، ولا يتثاقلون، ولكنهم يسبون ويشتمون ويعيبون، ويحاربون بأقلامهم وألسنتهم، والكثير منهم بفعله وبدنه فماذا سيقول عنهم كتاب الله تعالى؟!

نعم صدق كتاب الله تعالى، فإن أبناء المسلمين يطوفون الأرض ويغتربون، ويقضون السنوات في المشقة، والبعد من أجل دنياهم، ومناصبهم، وشهواتهم، ويتحملون الذل والهوان من أجل العيش، مجرد العيش فقط فهم ((لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك)).

((ولكن بعدت عليهم الشقة)).

هي محنة الجهاد أن يرمى أبناءه في الأماكن البعيدة، ويقذف بهم في الغمرات، لأن الجنة لا تنال إلا بهذا، ولأن شهادة الإيمان لا تعطى بغير ثمن، ولذلك ستبقى الرحلة والهجرة سمة هذا الدين، فهي سمة العلماء، فلا علم إلا بها، وهي سمة المجاهدين، فلا جهاد إلا بها، والذين يرجون أن يسير الخير إليهم هم واهمون لأن هذا الدين عزيز، ومثل القرآن كالإبل لا تأتي بل تؤتى، لأنه كريم يُستدعى ولا يذل نفسه.

الشقة البعيدة: هي دفع الأمة أن لا تنتكس إلى داخلها، ولا تتجمع إلى مراكز تصنع الزمام، بل سمة الإسلام تقول: "من أحيى أرض موات فهي له" لأن الأمة التي تنطوي على نفسها لا تنقى، ولا تفيد ولا تستفيد، وستعريها عوامل الهلاك، لكن حين تندفع الأمة إلى أطرافها، فتغزو، وتدفع بنفسها إلى مواطن جديدة تكون أمة حية فاعلة، وبهذا الإندفاع اخترق الصحابة أطراف الأرض فبلغوا الصين، ودانت لهم أعالي أفريقيا، وفي أدوات عصرهم ووسائل زمانهم، وحين انطوت الأمة على نفسها بدأ الشقاق والخلاف، وبدأ غزو أعدائها لها، واليوم يكون الجهاد على حدود بلاده، فيراه بعيداً عنه وكأنه لا يعنيه، وحين يحل بداره يبدأ بالصراخ.

كانت الآية السابقة ((انفروا خفافاً وثقالاً)) فأبطلت عذر النفس وأحوالها، وعذر الواقع وضغوطه، ومعوقات الآن وروابطه، وفي هذه الآية إبطال لعذر المسافة وطولها، وعذر مشقة السفر ومتاعبه، فلم يبق لأحد حجة، فلا أعذار نفسك مقبولة، ولا أعذار الأماكن مقبولة، لأن هذا شأن العبد الذي يريده الله، وهذا شأن المؤمن الذي يحبه الله، وهذا حال الإرادة التي تحقق العبودية لله في نفسها وفي الآخرين، فهي فوق معاذير العجز، وأقوى من حوادث الزمن، وعصية

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٢٤