بالسعيدة، أي سعادة المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وسرى الخدر في عموم الأمة، وبسط الكفر سلطانه العام على العالم أجمع، وحصل بهذا الأمر أمراض اجتماعية وسياسية، ومن تراكمات التاريخ انتشرت بدع دينية وجهل بالشريعة، فقام المصلحون إلى هذه الأمراض التي سرت في أفراد الأمة ليصلحوها ويداووها، واستغرقوا في هذا، ولم يعرف الناس في يومنا عمل الدين إلا في هذا الإتجاه، وأما الجهاد فله صور عندهم وهو الحفاظ على كيان هذه الدول من بعضها البعض، أو من غازي أجنبي، لأنهم يرون في هذا الغازي إما إفساداً لدنياهم التي هم فيها، وإنما تغييراً لنمط الحياة التي يعرفونها، فإذا قام مسلم وجاهد في سبيل الله لإعادة الدين إلى الحياة، أو إلى إعادة مسار الحياة على وفق الشريعة، سواء كان في قطر أو أقطار، رأى فيه الناس إفساداً لدنياهم، فكيف لو توجه هذا المجاهد إلى أكثر من ذلك وهو قطع شريان الكفر الأكبر الذي يمنع تحقيق الإسلام في بلده أو بلاد المسلمين عموماً، إنه ولا شك حينئذ سيصبح في نظر الجاهليين والغافلين والباحثين عن مجرد الحياة أو الحفاظ عليها مفسدون في الأرض.
هذه محنة الجهاد اليوم مع المسلمين، تنشأ من جهلهم بمهمتهم في الحياة، وبدورهم الذي أكرمهم الله به من إصلاح أنفسهم وذلك باعتزازهم بدينهم، فلا يحكمهم إلا من كان منهم، ولا يدينون في كل تشريعاتهم إلا بحكم الله تعالى، كما هي مهتهم بوراثة الأرض وحكم البشرية بشريعة الله تعالى.
لقد تخلى المسلمون عن هذه المهمة، وصار هم المصلحين ترميم البدن دون دفعه إلى العمل خارجه، سواء كان محيطه القريب منه أو البعيد عنه، وهذا لا يمكن تحقيقه أبداً، فها هم المصلحون يعملون منذ عقود، فما أن يأخذوا فرداً إلى الدين الحق حتى تأخذ الجاهلية العشرات، ولا يكادون يحققون خطوة في اتجاه، إلا وحصل الإختراق الجاهلي في ثغور أخرى للإسلام والمسلمين، حتى البلاد التي كانت عصية على قيم العلمانية والزندقة صارت تنهار جوانب فردية واجتماعية منها بسبب خضوع النظام لمظلة الجاهلية، وبسبب ارتباط هذا النظام بفلك الكفر الأكبر، فالمصلحون يقفون أمام السواقي وأما زخم التيار الهادر الأكبر من الشرك والكفر فهم في غفلة عنه، بل إن المحسن منهم يدعو لمصالحته ومداراته ليسمح لعمليات الترميم الصغرى بالوجود، وهذا ليس طريق الأنبياء قط، ولا هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصدام بين دعوة الأنبياء كان يقع مع الملأ، هكذا وقع مع جميع الأنبياء، وكذلك وقع لإبراهيم وموسى عليهما السلام، إذ توجه موسى لفرعون مباشرة، وكان من خلال هذا التوجه يقع انحياز المهتدين لموسى عليه السلام ولذلك كان قول مؤمن آل فرعون لقومه في بيان سبيل الهداية:- "يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد" فقد علق الهداية على اتباعه، أي الخروج من سياق الحياة وقوانينها وسلطانها إلى سياق آخر هو سياق الداعي إلى الله تعالى، أما ابقاء المهتدين تحت سلطان الجاهلية في الوجود الكلي، وبقائهم تحت مظلتها وسياقها دون الخروج عن ذلك ولا اعتزاله، والإعلان عن الكفر بها فإن هذا لا يصلح العلم، لا في وجوده العام ولا في أفراد المؤمنين، والذين يسلكون هذا السبيل تحت دعوى السلامة إنما يقتطعون من الدين أعظم ما فيه من أجل دنياهم.
فالمجاهدون في سبيل الله تعالى حقاً وصدقاً يبغضهم أهل الدنيا في زماننا هذا لأن المجاهدين هم من يحمل دعوة الأنبياء بوجهها الصحيح، ويصادقون في تكاتفهم وتوجههم هذا السلطان الذي يمثله الملأ الأصغر في مجتمعاتهم، وفرعون الأكبر في العالم، وفي هذا الصدام يقع البلاء للمسلمين الساكنين من الذين يتقنون الجلوس على مقاعد المتفرجين يراقبون