تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون، عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين﴾

كانت الآيات الأولى لوصف الحال قبل المسير، والتحريض عليه، وما زالت الآيات تصف موقف الناس يومئذ، فهؤلاء قسم جاؤوا للرسول صلى الله عليه وسلم- وقد استنهضهم لتبوك البعيدة، وفي وقت الحرّ والقيظ وانتظار الثمار؛ يعتذرون أن لو يأذن لهم بعدم المسير، وحجتهم قلة الزاد والرحل والعجز عن المسير، يقول الله عنهم ((والله يعلم إنهم لكاذبون)).

وقد قدّم الله في هذه الآية اختيارات هذا الصنف، فهم يكرهون الجهاد، ويكرهون مشقته، وليس ما ادعوه من عدم الإستطاعة، فلو دعاهم إمامهم لغنيمة قريبة أو سفراً سهلاً لأجابوه لطلبه، فالذي منعهم هو ضعف إرادتهم عن تحمل المشقة في سبيل الله تعالى، وليس هناك ما يغري نفوسهم وما تحب من السفر، فإرادتهم لا تنشط للجهاد لأنهم لا يحبونه، ولا للدار الآخرة لأنها ضعيفة في قلوبهم، فالنفوس إن أحبت شيئاً غامرت في سبيله، ونشطت لتحصيله، هذا مع أن هناك خلقاً لله سبحانه سيماهم البطالة- لا يصدرون لمكرمة، ولا ينشطون لشيء، وهؤلاء كالبق من الحشرات، لا نفع منهم، وإن كان عامة الناس هو النشاط لما تحب قلوبهم، فمن امتلأ قلبه بحب الدنيا نشط لها، وضرب في الأرض طولاً وعرضاً من أجلها، بل ربما أراق ماء وجهه للقليل منها، ومن أراد الدار الآخرة فسينشط لها ولأعمالها التي تحقق السعادة فيها.

هكذا يعري الجهاد ومحنته، وأشواطه البعيدة، ورحلاته الشاقة النفوس، والقرآن يذهب إليها ليكشف كذب تبريرات القاعدين والمغيّرين، لكنهم زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسعهم أن يقولوا في الشريعة شيئاً، ولا في الفقه احداثاً وتلعباً، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، يتكلم عن الله ووحيه، فإن خاضوا في شيء من ذلك تبين للناس ضلالهم، وافتراءهم على الشرع والفقه، لكن فن التبرير للقاعدين والجبناء وأصحاب الإرادات الدنيوية أو الكسولة سيسعفهم في كل موطن لينشؤوا من الحيل والأقاويل العلمية والواقعية ما يدفع عنهم أمره سبحانه وتعالى بالنفير، هذا مع صراحة الأمر ووضوحه وإحكامه، لكن إن كان توحيد الله تعالى وهو أوضح ما بعث به الأنبياء قد تلعبت به الأمم السابقة، ووجد من هذه الأمة من تلعب به، وقال بالشرك الذي قالته الأمم السابقة، وحرّفوا أسماءه وصفاته، وهي قضايا علمية، فكيف بهذا الأمر العلمي الشاق، فهل يعجز هؤلاء من أن يحرفوا كلماته عن مواضعها؟!.

لقد كان المجاهدون دوماً لهم الحب والقبول في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يرونهم أهل التضحية والبذل، ولا ينافسون أهل الدينا في دنياهم، فلم تكن الأمة تحس بهم إلا أهل خير عليهم، لأن أمة الإسلام كانت قائمة، ودار الإسلام موجودة، فإن سقط بعضها قام فئات المجاهدين بالجهاد ضد المعتدين، وللشوق في البلاد أن يعودون لدار الإسلام يجعلهم في موقف الدعاء والحب للمجاهدين، لكن الأمر اليوم قد تغير، فقد سقطت دولة الإسلام، وتغلب مرتدون على البلاد والعباد، وأقاموا فيها أنظمة تخدر الناس بمبادئ الكفر، وتغلغت مفاهيم الجاهلية كالقطرية والقومية في الشعوب ورضي أكثر الناس بهذا، وانشغلوا بدنياهم، فمنهم من يرتع في الدنيا إلى أذنيه ومنهم من يبحث عن الكفاف، وآخرون يريدون مجرد البقاء على ما هم فيه أو التقدم يسيراً في الدنيا، ودفعوا شباب الإسلام إلى مسالك تأمين الحياة، والتي يسمونها

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٢١